اقتصادكم
لم يعد ارتفاع أسعار المحروقات حدثا ظرفيا في السوق، بل تحول إلى عامل بنيوي يفرض ضغوطا متواصلة على كلفة النقل وسلاسل التوزيع، في ظل تقلبات مستمرة في أسواق الطاقة العالمية وتوترات جيوسياسية تلقي بظلالها على الأسعار، وفي هذا السياق، اتجهت الحكومة إلى اعتماد آلية دعم موجهة لمهنيي النقل، في محاولة لامتصاص جزء من أثر هذه الزيادات على كلفة الخدمات والأسعار النهائية، والحفاظ على حد أدنى من التوازن في السوق.
عبء متزايد على المستهلك
وحسب المعطيات التي جاءت في مجلة “Finance News”، فإن أسعار الغازوال والبنزين سجلت ارتفاعا يقارب 38% ما بين 15 مارس و1 أبريل، غير أن هذه الزيادات لم تنعكس بالكامل على الأسعار المحلية بنفس الحدة، خاصة بالنسبة للغازوال، نتيجة تدخلات لتخفيف الأثر، كما تجاوزت كلفة دعم مهنيي النقل 1,6 مليار درهم، في محاولة لاحتواء تداعيات الأزمة والحفاظ على القدرة الشرائية بشكل غير مباشر.
ورغم هذا المجهود، يظل المواطن، خاصة مستعملو السيارات الخاصة، الحلقة الأضعف في هذه المعادلة، حيث يتحملون بشكل مباشر كلفة الارتفاع في محطات الوقود، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى عدالة توزيع الدعم، في ظل شعور فئات واسعة بأنها غير معنية بالإجراءات المتخذة.
رهانات اقتصادية
وفي المقابل، تدافع المقاربة الحكومية عن نفسها بكونها اختيارا “براغماتيا”، يهدف إلى تفادي ارتفاع شامل في الأسعار، فقطاع النقل يعد عنصرا حيويا في سلاسل التوريد، وأي زيادة كبيرة في تكاليفه قد تؤدي إلى موجة تضخمية تمس مختلف المواد الأساسية، من غذاء وخدمات.
وبالتالي، فإن دعم المهنيين يفهم على أنه وسيلة غير مباشرة لحماية المستهلك، عبر كبح انتقال الزيادات إلى السوق. غير أن هذا الطرح، رغم وجاهته الاقتصادية، لا يلغي الإحساس بعدم الإنصاف لدى المستهلكين الذين يواجهون يوميا ارتفاع تكاليف التنقل والمعيشة.
نحو مقاربة أكثر توازنا
ومن جهة أخرى، أعادت هذه التطورات النقاش حول سوق المحروقات المحررة في المغرب، حيث يطالب عدد من الفاعلين بضرورة تعزيز آليات المراقبة وضمان الشفافية في تحديد الأسعار، كما يطرح دور مجلس المنافسة في تتبع سلوك الشركات وضمان احترام قواعد المنافسة، خاصة في ظل شبهات سابقة حول وجود ممارسات غير تنافسية.
وتبرز أيضا دعوات لمراجعة بنية الأسعار، خصوصا ما يتعلق بالضرائب المفروضة على المحروقات، والتي تشكل جزءا مهما من السعر النهائي، ما يفتح الباب أمام إمكانية تدخل الدولة لتخفيف العبء الضريبي في فترات الأزمات.