اقتصادكم - نهاد بجاج
رغم دوره الحيوي في تسهيل المبادلات الدولية، تحول سوق الصرف الأجنبي تدريجيًا إلى فضاء تهيمن عليه المضاربات المالية أكثر من ارتباطه بالاقتصاد الحقيقي، ما يثير تساؤلات متزايدة حول تأثيره على الاستقرار المالي العالمي.
لم يعد سوق الصرف الأجنبي، المعروف بـ”الفوركس”، مجرد آلية تقنية لتبادل العملات، بل أصبح أحد الركائز الأساسية التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي المعاصر. فبحجم معاملات يومية يتجاوز 7,5 تريليون دولار، وفق بيانات بنك التسويات الدولية لسنة 2022، يُعد الفوركس أكبر سوق مالي في العالم، متجاوزا بفارق واسع أسواق البورصة التقليدية.
لكن هذه الضخامة تثير سؤالًا جوهريًا: هل يخدم سوق الفوركس الاقتصاد الحقيقي فعلًا، أم أنه يساهم في تغذية حالة متزايدة من عدم الاستقرار المالي العالمي؟
آلية حيوية لدعم المبادلات الدولية
يضطلع سوق الصرف بوظيفة أساسية تتمثل في تسهيل المبادلات التجارية والمالية بين الدول. فمن دونه، ستصبح التجارة الدولية أكثر تعقيدًا، إذ لن تتمكن الشركات من تحويل العملات بسهولة لإتمام عمليات الاستيراد والتصدير أو تنفيذ الاستثمارات العابرة للحدود.
وتعكس الأرقام حجم هذه الأهمية؛ إذ تشمل حوالي 88% من معاملات سوق الصرف الدولار الأمريكي، ما يؤكد استمرار هيمنة العملة الأمريكية على المبادلات الدولية. كما أن توسع التجارة العالمية، التي تمثل اليوم أكثر من 60% من الناتج الداخلي الإجمالي العالمي، يعتمد بشكل كبير على كفاءة ومرونة أسواق الصرف.
ولا يقتصر دور الفوركس على تسهيل المعاملات فقط، بل يشكل أيضًا أداة أساسية للتحوط ضد تقلبات أسعار الصرف، عبر آليات التغطية المالية (Hedging)، التي أصبحت ضرورية بالنسبة للشركات العاملة في بيئة اقتصادية دولية تتسم بعدم اليقين.
وفي المغرب، يتولى بنك المغرب مهمة تدبير سعر صرف الدرهم، حيث شرع منذ سنة 2018 في اعتماد انتقال تدريجي نحو نظام أكثر مرونة، بهدف تعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة الصدمات الخارجية ومواكبة اندماجه المتزايد في الاقتصاد العالمي.
هيمنة المضاربة على السوق
ورغم هذا الدور الحيوي، فإن سوق الفوركس أصبح اليوم خاضعًا بشكل متزايد للمنطق المالي والمضارباتي. فمعظم العمليات التي تُنجز داخله لم تعد مرتبطة مباشرة بالتجارة الحقيقية أو الاستثمار المنتج.
وتشير التقديرات إلى أن أقل من 5% فقط من معاملات سوق الصرف ترتبط بالتجارة الدولية، بينما يدخل الجزء الأكبر ضمن أنشطة المضاربة والتحكيم المالي التي تقودها البنوك الكبرى وصناديق التحوط والمؤسسات الاستثمارية.
وبالتالي، أصبحت أسعار الصرف في كثير من الأحيان تتحرك بناءً على توقعات الأسواق وتحركات رؤوس الأموال أكثر من ارتباطها بالأسس الاقتصادية الحقيقية، وهو ما قد يؤدي إلى تقلبات حادة وانفصال متزايد بين الاقتصاد المالي والاقتصاد الحقيقي.
أقل من 5% فقط من معاملات الفوركس ترتبط مباشرة بالتجارة الدولية.
بين دعم الاقتصاد ومخاطر عدم الاستقرار
يعكس سوق الفوركس أحد أبرز تناقضات الاقتصاد العالمي الحديث؛ فهو من جهة يساهم في تسهيل المبادلات الدولية، ودعم الاستثمارات، وتمكين الشركات من التحوط ضد المخاطر، لكنه من جهة أخرى قد يتحول إلى مصدر لعدم الاستقرار المالي بسبب الطابع المضارباتي المتزايد للأسواق.
وفي بعض الحالات، يمكن أن تؤدي التحركات السريعة لرؤوس الأموال إلى إضعاف اقتصادات بأكملها، خصوصًا في الدول الأكثر هشاشة أو الأكثر تعرضًا لتقلبات الأسواق المالية الدولية.
المغرب ونهج الحذر التدريجي
أمام هذه التحديات، يعتمد المغرب مقاربة تدريجية وحذرة في تدبير سعر الصرف، تقوم على توسيع هامش مرونة الدرهم بشكل تدريجي مع الحفاظ على آليات الرقابة والتنظيم.
وفي هذا السياق، يواصل بنك المغرب لعب دور محوري من خلال التدخل للحد من التقلبات المفرطة والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الكلي.
وفي النهاية، لا يمكن النظر إلى الفوركس باعتباره مشكلة في حد ذاته أو حلًا مطلقًا، بل هو أداة تعكس تعقيدات العولمة المالية المعاصرة. فبين دوره الحيوي في دعم الاقتصاد العالمي ومخاطره المرتبطة بالمضاربة، يبقى التحدي الأساسي أمام الدول هو إيجاد توازن دقيق بين الانفتاح المالي وحماية الاستقرار الاقتصادي.
بقلم الدكتورة هدى زويرشي أستاذة المالية بـ HEC الرباط
باحثة بمركز البحث في علوم الاقتصاد والتدبير (CReSC)