اقتصادكم
تشهد أسواق الطاقة العالمية موجة توتر حادة أعادت رسم ملامح التسعير في ظرف وجيز، عقب تهديد دونالد ترامب بفرض حصار بحري على إيران. هذا التطور لم يعد يقرأ كتصعيد سياسي عابر، بل كعامل ضغط مباشر على آليات السوق، حيث انتقلت الأسعار من منطق العرض والطلب إلى منطق “علاوة المخاطر” المرتبطة بأمن الإمدادات.
وفق تحليل المحلل الاقتصادي محمد أفزاز، فإن ما يحدث اليوم في سوق النفط هو إعادة تسعير شاملة للمخاطر الجيوسياسية، إذ لم تعد العقود الآجلة تعكس فقط التوازنات التقليدية، بل تسعر احتمال تعطل أحد أهم الشرايين الطاقية في العالم، وهو مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة تقارب خمس الإمدادات العالمية. هذا المعطى يفسر القفزة السريعة في الأسعار، ويبرز حساسية السوق المفرطة لأي تهديد يمس حركة الملاحة.
في جاء في التحليل الذي اطلع موقع "اقتصادكم" على نسخة منه، أن أسعار النفط سجلت ارتفاعًا لافتًا تجاوز 8%، ليتخطى البرميل عتبة 100 دولار، حيث صعد خام برنت إلى حدود 102 دولار، فيما بلغ الخام الأمريكي غرب تكساس الوسيط نحو 104 دولارات. هذه القفزة لا تعكس نقصًا فعليًا في الإمدادات حتى الآن، بقدر ما تعكس تسابق المتعاملين لتأمين مواقعهم تحسبًا لأي سيناريو تصعيدي.
وتُظهر دينامية السوق الحالية أن المتعاملين باتوا يسعّرون ثلاثة مستويات من المخاطر: أولها احتمال الإغلاق الكامل للمضيق، وهو سيناريو كفيل بدفع الأسعار إلى مستويات قد تتجاوز 150 دولارا للبرميل، نتيجة اختناق فعلي في الإمدادات. ثانيها سيناريو التعطيل الجزئي، حيث يستمر تدفق النفط لكن تحت تهديد دائم، ما يرفع تكاليف التأمين والنقل ويُبقي الأسعار عند مستويات مرتفعة. أما السيناريو الثالث، فيرتبط بإمكانية احتواء التوتر وفرض مرور آمن للناقلات، وهو ما قد يخفف من حدة الارتفاع دون أن يعيد الأسعار إلى مستويات ما قبل الأزمة.
وعمليًا، تشير المؤشرات الميدانية إلى أن السوق تميل حاليا إلى تسعير سيناريو “التعطيل المضغوط”، حيث بدأت بعض شركات الشحن في مراجعة مساراتها، وهو ما يخلق ضغطًا إضافيًا غير مباشر على الأسعار. وفي هذا الإطار، لم تعد تحركات النفط رهينة الإنتاج فقط، بل أصبحت مرتبطة بشكل وثيق بتطورات الأمن البحري في المنطقة.
وبالنسبة للسوق المغربية، فإن استمرار هذا الارتفاع يحمل تداعيات مباشرة على كلفة الاستيراد وأسعار المحروقات داخليا، في ظل ارتباط الأسعار المحلية بتقلبات السوق الدولية. وهو ما يضع الفاعلين الاقتصاديين أمام مرحلة تتسم بارتفاع عدم اليقين، حيث يصبح أي تطور ميداني في الخليج عاملا محددا في كلفة الطاقة داخل المملكة.