القضاء الإداري بين تجويد الأحكام وتنفيذها

التحليل والرأي - 01-04-2026

القضاء الإداري بين تجويد الأحكام وتنفيذها

اقتصادكم

 

يعد تكريس استقلال القضاء بلا شك أحد المحاور الرئيسية في دستور المملكة المغربية لسنة 2011، إذ يضمن ليس فقط استقلال السلطة القضائية، بل يكرس أيضا آليات جديدة تعزز عمليا هذا الاستقلال. وتتيح المقتضيات الدستورية للباب السابع المخصص للسلطة القضائية واستقلال العدالة تقييم مدى وجاهة الأهداف الإستراتيجية لهذا الورش الإصلاحي الكبير في سياق دولة الحق والقانون، وذلك انسجاما مع المعايير الدولية المتعلقة بحماية الحقوق والحريات الأساسية.

وفي هذا السياق، جاءت نصوص قانونية جديدة لتواكب هذا المسار الإصلاحي للمؤسسات وملاءمة البنيات القضائية مع المقتضيات الدستورية. ويكفي هنا التذكير بأهم الخطوات التي تنسجم مع الدينامية التي أطلقها الدستور، خاصة إحداث المحكمة الدستورية بموجب القانون التنظيمي رقم 066.13 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف بتاريخ 13 غشت 2014، ثم المجلس الأعلى للسلطة القضائية بموجب القانون التنظيمي رقم 100.13 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف بتاريخ 24 مارس 2016، إضافة إلى نقل اختصاصات وزارة العدل إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بموجب القانون التنظيمي رقم 33.17، وهو ما يجسد الاستقلال الفعلي للسلطة القضائية عن السلطة التنفيذية.

ولا شك أن التنظيم القانوني والمؤسساتي لهذه الإصلاحات يجب أن يأخذ بعين الاعتبار فعالية العدالة مقارنة بانتظارات المتقاضين، خاصة فيما يتعلق بتحسين العلاقة بين الإدارة والمواطنين.

وللتذكير، فإن إرساء القضاء الإداري بالمغرب مر بمرحلتين، الأولى تعود إلى ظهير 1913 الذي كرس نظام ازدواجية القضاء والقانون المطبق "القانون العام والقانون الإداري". أما المرحلة الثانية فبدأت سنة 1994 مع إحداث المحاكم الإدارية بموجب القانون رقم 41.90، التي كرست بدورها نظام ازدواجية القضاء من خلال إحداث محاكم إدارية عبر مختلف مناطق المملكة، وتم تعزيز هذا النظام بإحداث محكمتي استئناف إداريتين سنة 2006 بموجب القانون رقم 80.03، ليكتمل بذلك الهرم القضائي الإداري بمحكمة النقض.

وكان طموح المشرع هو إضفاء دينامية جديدة على مراقبة عمل الإدارة، لحماية المواطنين من أخطائها ومن تجاوزاتها في استعمال السلطة، وقد أثبت نجاح هذه التجربة اهتمام المواطن المتزايد بالقضاء الإداري، سواء من حيث الكم أو من حيث النوع، ويتجلى ذلك في العدد المتزايد من الطعون المتعلقة بمشروعية قرارات الدولة والجماعات الترابية في مختلف مجالات العمل الإداري، من المنازعات الضريبية إلى قضايا المسؤولية الإدارية والوظيفة العمومية.

غير أن هذا الواقع يثير شعورا بعدم الارتياح تجاه فعالية الأحكام القضائية رغم ما لها من قوة الشيء المقضي به، ويعيد إلى الواجهة إشكالية عدم تنفيذ الأحكام الصادرة عن المحاكم الإدارية فالمتقاضي يهتم في الواقع بتنفيذ الحكم أكثر من اهتمامه بجودته القانونية مهما كانت عالية.

ويرى بعض الملاحظين أن هذا الوضع يرجع أساسا إلى عدم اكتراث الإدارة، بل وأحيانا إلى جهلها بالأحكام الصادرة ضد قراراتها غير القانونية، خصوصا في مجال دعوى الإلغاء بسبب الشطط في استعمال السلطة، حيث تتكرر الأخطاء نفسها في قرارات سبق للقضاء أن ألغى مثيلاتها، فكثيرا ما يُلاحظ أن أحكاما بالإلغاء تصدر ضد قرارات إدارية، وفي نفس السنة، وربما في نفس الشهر، ترتكب الإدارة المخالفة نفسها دون علم منها بأن قرارا مشابها قد ألغي، ويعود ذلك، بطبيعة الحال، إلى غياب نشر منهجي للأحكام الإدارية.

ورغم أن مشكلة عدم تنفيذ الأحكام القضائية ليست خاصة بالمغرب، إلا أنها اتخذت في حالتنا أبعادا مقلقة، رغم تدخلات السلطات العمومية التي دعت الإدارة إلى اتخاذ كل التدابير اللازمة لتنفيذ هذه الأحكام.

ومن دون الخوض في تحليل قانوني تقني، فقد تبين أن تراكم هذه النزاعات دفع القضاء الإداري إلى مراجعة موقفه التقليدي الرافض لاستخدام آليات الأمر والإكراه المالي الغرامة التهديدية ضد الإدارة باسم مبدأ فصل السلط، ورغم أن هذه الآليات معمول بها في القضاء الإداري الفرنسي، فإن النص المغربي المؤسس للقضاء الإداري لم ينص عليها.

وقد تطلب الأمر جهدا كبيرا من القضاء الإداري المغربي، حيث بدأ أولا بالنطق بالغرامة التهديدية ضد الإدارة، ثم ضد المسؤول الإداري نفسه عند امتناعه عن تنفيذ الحكم خصوصا في حالة الإلغاء، والغرامة التهديدية هي إجراء يرغم الشخص المكلف بتنفيذ الحكم على أداء مبلغ مالي يتزايد يوميا إلى حين التنفيذ، ويستند هذا الإجراء إلى مقتضيات قانون المسطرة المدنية تطبيقا للمادة 7 من قانون إحداث المحاكم الإدارية.

وقد شكل ذلك اختراقا قضائيا فتح الباب أمام إجراءات أكثر فعالية لضمان تنفيذ الأحكام ضد الإدارة، ومنح المتقاضي أملا في استرجاع حقوقه، لكن استقرار هذا التوجه يبقى رهينا بتأكيده من طرف محكمة النقض باعتبارها هيئة التنظيم القضائي الأعلى.

ونعتقد أن الحل الدائم لهذه الإشكالية لا يمكن أن يتحقق إلا عبر إصلاح تشريعي يلزم الإدارة بتنفيذ أحكام القضاء.

وفي إطار الآليات غير القضائية التي يمكن أن تساهم جزئيا في حل مشكلة عدم تنفيذ الأحكام الإدارية، بشرط أن تكون فعالة، نجد مؤسسة الوسيط التي أحدثت بموجب الظهير الشريف بتاريخ 17 مارس 2011 باعتبارها مؤسسة مستقلة ومتخصصة مهمتها، في إطار علاقة الإدارة بالمرتفقين، الدفاع عن الحقوق والمساهمة في تعزيز سيادة القانون ونشر مبادئ العدل والإنصاف. وتُعنى هذه المؤسسة بتصحيح الاختلالات الإدارية، وتقديم المقترحات والتوصيات، والتواصل مع الإدارات المعنية بشكاوى المواطنين لمعالجتها.

وتشير تقارير الوسيط إلى أن جزءا كبيرا من الشكاوى يتعلق بعدم تنفيذ الأحكام القضائية ذات الطابع الإداري، كما ينتقد سلوك الإدارة الذي قد يمس بمصداقيتها ويساهم في الإضرار بهيبة الدولة.

بقلم: د. السعيد كنانة خبير قانوني