اقتصادكم
في ظل واقع اقتصادي و اجتماعي متغير، و انفتاح متزايد على الساحة الدولية، أصبح من الضروري أن يخضع الإطار القانوني و المؤسسي لتحديث مستمر، و أن يقدم حلولا ملائمة للتحديات الجديدة التي تفرض نفسها داخل بيئة دولية تعرف تحولات عميقة.
و مواكبة لهذا المسار، باشرت السلطات العمومية عدة إصلاحات تندرج ضمن تحديث المنظومة القانونية و المؤسساتية للبنية الاقتصادية و الاجتماعية للمملكة.
و خلال السنوات الأخيرة، عرف الإطار التشريعي و التنظيمي إصلاحات عميقة في اتجاه مزيد من التحرير من خلال حرية الأسعار و المنافسة، و قانون الشركات، و مدونة التجارة، و مدونة الشغل، و تنظيم البورصة و السوق المالية، و التشريع البنكي.
و في ظل هذا التحديث، يبرز نقاش حول جودة النصوص القانونية التي يجب أن تشكل أولوية لدى المشرع من خلال اعتماد مقاربة عقلانية تستند إلى مبادئ و أساليب الصياغة التشريعية.
و قد برز مفهوم الصياغة التشريعية (La légistique) منذ تسعينات القرن الماضي، كمقاربة جديدة في إنتاج القاعدة القانونية، و أصبح موضوعا أساسيا في العلوم الإدارية.
و يعرف الأستاذ شوقي الصياغة التشريعية بأنها علم تطبيقي للتشريع، يهدف إلى تحديد أفضل الطرق لإعداد و صياغة و إصدار و تطبيق القوانين. و في هذا السياق، يميز بعض الباحثين بين الصياغة المادية، التي تهم مضمون القاعدة القانونية و كيفية معالجة المشكلة، و الصياغة الشكلية، التي تتعلق بطريقة تحرير النصوص القانونية.
و يعد هذا التمييز مبررا في السياق المغربي، الذي يعرف إنتاجا تشريعيا مكثفا و متزايد التعقيد.
و من دون الخوض في التفاصيل التقنية، فإن الصياغة التشريعية تساهم في تحديث الحكامة العمومية، من خلال تعزيز وضوح القاعدة القانونية و ضمان الأمن القانوني، و هما عنصران أساسيان لتعزيز الديمقراطية و جاذبية الاستثمار.
إذ يجب أن تستجيب القاعدة القانونية لمتطلبات الدقة و التماسك بما يضمن وضوحها و سهولة فهمها.
غير أن الاستعجال في إصدار القوانين يؤدي غالبا إلى إنتاج نصوص ضعيفة، صيغت بشكل متسرع، فيما يعرف بـ”التشريع الطوارئ”، مما يستدعي تعديلات متكررة لتصحيح نقائصها، و هذا الوضع يهدد الأمن القانوني و يضعف مصداقية القاعدة القانونية.
و في هذا السياق، فإن المشرع مطالب بترشيد عمله، من خلال تعزيز دور اللجان البرلمانية و إنجاز دراسات مسبقة لتقييم أثر القوانين، بهدف إصدار نصوص ضرورية، جيدة الصياغة، واضحة، و متينة قانونيا.
و في المغرب تتولى الأمانة العامة للحكومة ضمان انسجام النصوص القانونية، من خلال تنسيق إعداد مشاريع القوانين و اللوائح مع الحرص على قانونيتها و جودتها.
غير أن هذه الجهود يجب أن تنطلق أساسا منذ المراحل الأولى داخل الوزارات، عبر تطوير الكفاءات القانونية و اعتماد مناهج الصياغة التشريعية، خاصة في ظل غياب تكوين جامعي متخصص في هذا المجال، و ضعف البحث العلمي المرتبط به.
و من هنا تبرز الحاجة إلى وضع منهجية واضحة لتأطير إعداد النصوص القانونية، و الاستفادة من التجارب الدولية، خاصة النموذج الفرنسي، من خلال اعتماد دليل منهجي يساعد على تحسين جودة النص، الذي لم يلق بعد في السياق المغربي الصدى المأمول.
إذ يتميز التقنين بقدرته على تجميع القواعد في منظومة منسجمة و مكتوبة تعتمد على معايير واضحة، تفترض فيها أن تكون نهائية و ملزمة و منشورة.
غير أن اللجوء إلى هذه التقنية التشريعية لا يبدو أولوية في مجال الحكامة العمومية، في سياق يتسم من جهة بضعف حماس المشرع لهذا النمط من العمل، و من جهة أخرى بصعوبات مرتبطة بالتقنية نفسها.
و من بين العوائق التي تكسب سلطة التقنين هذه الأهمية، إلا إذا تم تقييم قبلي لآثار بعض القوانين “الاستراتيجية”، خاصة و أن بعض القوانين الكبرى لا تحتاج إلى تقنين في حد ذاتها، بل إن أفضل وسيلة تبقى في نطاق محدد، و ولوجا مباشرا و سهلا إلى القاعدة القانونية، كما أن توسيع نطاق نشره من شأنه تعزيز فهم النصوص و تحسين العلاقة مع سيادة القانون.
و يظل تعميم نشر القاعدة القانونية مسألة أساسية، خاصة في ظل تطور الوسائل الرقمية، حيث أصبح نشر القوانين و الاجتهادات القضائية عبر الإنترنت أداة فعالة لتعزيز الولوج إلى القانون، و تقوية العلاقة بين المواطن و المؤسسات في إطار دولة الحق و القانون.
إن نشر القواعد القانونية عبر الإنترنت، الذي أصبح الأداة الرئيسية للوصول إلى المعلومة القانونية، لا يتيح فقط تنظيم و استيعاب تطورات القانون، بل يشمل أيضا تطورات الاجتهاد القضائي و المعاهدات الدولية.
د. السعيد كناثة
خبير قانوني