الجواهري يوضح لــ"اقتصادكم" حدود أثر السياسة النقدية على تمويل المقاولات

التحليل والرأي - 18-03-2026

الجواهري يوضح لــ"اقتصادكم" حدود أثر السياسة النقدية على تمويل المقاولات

اقتصادكم - نهاد بجاج

قرر مجلس بنك المغرب، خلال اجتماعه الأول برسم سنة 2026 المنعقد يوم الثلاثاء 17 مارس، الإبقاء على سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير في مستوى 2,25%، في خطوة تعكس توجها واضحا نحو التريث، في ظل سياق اقتصادي يتسم باستمرار حالة عدم اليقين، خاصة فيما يتعلق بتطور التضخم وارتفاع أسعار المواد الطاقية.

هذا القرار يأتي في وقت تسعى فيه السياسة النقدية إلى تحقيق توازن دقيق بين دعم الانتعاش الاقتصادي والحفاظ على استقرار الأسعار، دون التسرع في اتخاذ قرارات قد تكون مكلفة في حال تغيرت المعطيات الظرفية بشكل مفاجئ.

وفي هذا السياق، جاء تدخل عبد اللطيف الجواهري، في إطار جواب مباشر على سؤال طرحه موقع "اقتصادكم"، إذ قدم توضيحات بخصوص مدى انعكاس قرارات سعر الفائدة على تمويل المقاولات، سيما المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة.

وأكد الجواهري، أن القرارات المتخذة خلال الفترة الماضية ساهمت فعليا في تحسين شروط التمويل، مبرزا أن هذا التحسن لا يرتبط فقط بمستوى سعر الفائدة، بل يندرج ضمن مقاربة شمولية متعددة الأبعاد، تستهدف معالجة مختلف العراقيل التي تواجه المقاولات في الولوج إلى التمويل.

وأوضح، في جوابه، أنه تم الاشتغال على تعبئة البنوك، في إطار ميثاق خاص من أجل تخصيص حصة من القروض لهذه الفئة من المقاولات، مع العمل على تبسيط المساطر الإدارية وتقليص التعقيدات التي كانت تعيق معالجة الملفات، خاصة في المراحل الأولى من تنزيل هذه الإجراءات.

ولم يقتصر هذا التوجه بحسب والي البنك، على الجوانب التمويلية فقط بل شمل أيضا تعزيز المواكبة والتكوين، باعتبارهما عنصرين أساسيين لرفع جاهزية المقاولات وتحسين قدرتها على إعداد ملفات تمويلية تستجيب لمتطلبات البنوك.

وفي الإطار ذاته، تم العمل على تطوير آليات التنقيط "scoring"، عبر إدماج معطيات مكاتب الائتمان، بما يسمح بتقييم أدق للمخاطر، وتسهيل اتخاذ القرار الائتماني، وهي آليات يرتقب تعميمها على مختلف المؤسسات البنكية خلال الفترة المقبلة.

غير أن الجواهري، أقر بوجود تحديات قائمة على رأسها ضعف الموارد البشرية المؤهلة لمواكبة المقاولات، خاصة خارج المدن الكبرى مثل الدار البيضاء والرباط، حيث تبقى الحاجة أكبر إلى التأطير والدعم التقني.

وفي هذا الصدد، شدد والي البنك على ضرورة تعزيز انخراط مؤسسات المواكبة، وعلى رأسها Maroc PME وSAIR، من أجل إعداد خارطة طريق واضحة تمكن من تعميم خدمات الدعم والمواكبة، بما يعزز فرص هذه المقاولات في الولوج إلى التمويل، ويدعم قدرتها على الاستثمار والنمو.

ويعكس هذا الطرح تحولا في مقاربة إشكالية التمويل من التركيز على عرض القروض فقط، إلى الاهتمام بجاهزية الطلب، أي قدرة المقاولات على تلبية شروط التمويل والاستفادة الفعلية منه.

التريث خيار نقدي في ظل ضبابية الظرفية

من جانبه، اعتبر يوسف كراوي الفيلالي، خبير اقتصادي، ورئيس المركز المغربي للحكامة والتسيير، أن قرار الإبقاء على سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير يندرج في إطار التريث، مبرزا أن المعطيات الحالية لا تسمح بعد بحسم اتجاه السياسة النقدية.

وأوضح كراوي، في تصريح لموقع "اقتصادكم"،  أن الارتفاع المسجل في أسعار المواد الطاقية سينعكس، بشكل شبه حتمي، على مستويات التضخم، غير أن المؤشرات المتوفرة حاليا لا تزال غير كافية لتحديد ما إذا كانت هذه الضغوط ظرفية أم مرشحة للاستمرار على المدى الطويل.

وأضاف المصدر ذاته، أن ما يجري حاليا يمكن اعتباره بداية بوادر أزمة مرتبطة أساسا بارتفاع أسعار المحروقات، إلا أن المغرب لم يصل بعد إلى مرحلة تستدعي تدخلا قويا عبر تشديد السياسة النقدية أو تيسيرها، وهو ما يبرر قرار التثبيت.

ورغم تأكيد والي البنك على تحسن شروط التمويل، يرى الخبير أن الواقع يعكس استمرار نفس الإكراهات، إذ لا تزال المقاولات تواجه صعوبات مرتبطة بتعقيد الملفات ومتطلبات الضمان، إلى جانب بقاء نسب الفائدة في مستويات مرتفعة نسبيا، خاصة بالنسبة للقروض طويلة الأمد أو المشاريع ذات المخاطر العالية.

وأشار إلى أن أي خفض محتمل في سعر الفائدة الرئيسي من شأنه أن يساهم في تقليص كلفة التمويل، وبالتالي تحفيز المقاولات على اللجوء إلى الاقتراض، وهو ما نتمنى تحقيقه في ظل القرار الحالي.

يكشف قرار بنك المغرب عن استمرار نهج الحذر في تدبير السياسة النقدية، في مقابل سعي متواصل لدعم تمويل النسيج المقاولاتي، غير أن المعطيات الميدانية، كما تعكسها آراء الخبراء، تشير إلى أن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في مستوى سعر الفائدة، بل في فعالية تنزيل مختلف الآليات المرافقة، ويبقى السؤال المطروح في ضوء جواب والي البنك على سؤال "اقتصادكم"، هو مدى قدرة المنظومة الحالية، بمختلف مكوناتها على تحويل هذا التوجه إلى نتائج ملموسة، تمكن فعليا المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة من الولوج إلى التمويل، والمساهمة بشكل أكبر في الدينامية الاقتصادية.