اقتصادكم - أسامة الداودي
رغم الأرقام القياسية التي باتت تخصصها الدولة للاستثمار العمومي سنة بعد أخرى، لا يزال السؤال نفسه يفرض حضوره: هل يشعر المواطن فعلا بعائد هذه الاستثمارات؟ فبين مشاريع البنيات التحتية الكبرى، وبرامج دعم القطاعات الاستراتيجية، واستمرار تحديات التشغيل والخدمات الأساسية، تتباين الآراء حول مدى نجاعة الإنفاق العمومي.
وفي هذا السياق، أكد الأستاذ الباحث بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية التابعة لجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، ومدير المختبر متعدد التخصصات للبحث في الاقتصاد والمالية وتدبير المنظمات، عبد الرزاق الهيري، أن المغرب أصبح في السنوات الأخيرة ضمن الدول الناشئة الأكثر جرأة في الإنفاق العمومي على الاستثمار، غير أن حجم الاعتمادات المالية المرصودة لا ينعكس بالضرورة على مؤشرات التنمية أو على التحسن الملموس في الحياة اليومية للمواطنين، وهو ما يطرح، بحسبه، إشكالية مردودية الاستثمار العمومي وفعاليته.
وذكر الهيري، في تصريح لـ"اقتصادكم"، أن الغلاف المالي المخصص للاستثمار العمومي بلغ 340 مليار درهم في قانون المالية لسنة 2025، قبل أن يرتفع إلى 380 مليار درهم في قانون المالية لسنة 2026، موزعاً على أربعة روافد رئيسية تشمل ميزانية الدولة والحسابات الخصوصية ومرافق الدولة المسيرة بطريقة مستقلة، والمؤسسات والمقاولات العمومية، وصندوق محمد السادس للاستثمار، والجماعات الترابية، فضلا عن الصندوق الخاص بتدبير آثار زلزال الحوز الذي تبلغ اعتماداتُه 15 مليار درهم.
وتابع أن هذه الأرقام تعكس قفزة نوعية مقارنة بسنة 2021، عندما لم تكن ميزانية الاستثمار العمومي تتجاوز 230 مليار درهم، مضيفاً أن هذا الاستثمار يرتكز على منظومة مؤسساتية متعددة الأبعاد، تضطلع فيها الدولة بتمويل مشاريع البنيات التحتية الكبرى والاستراتيجيات القطاعية، بينما توجه المؤسسات والمقاولات العمومية، من قبيل المكتب الشريف للفوسفاط والمكتب الوطني للماء والكهرباء والمكتب الوطني للسكك الحديدية، الجزء الأكبر من استثماراتها نحو تطوير البنية الإنتاجية.
وأبرز أن صندوق محمد السادس للاستثمار يراهن على استقطاب الاستثمارات في قطاعات استراتيجية، من بينها صناعة السيارات والطيران والطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر، بهدف المساهمة في خلق 500 ألف منصب شغل وتقليص العجز التجاري، في حين تبقى الجماعات الترابية، بحسب الهيري، الحلقة الأضعف داخل منظومة الاستثمار العمومي، إذ لا تتجاوز مساهمتها 6.3 في المائة من إجمالي الاستثمار، وهو ما يحد من قدرتها على معالجة الاختلالات التنموية على المستوى المحلي.
ورغم هذه المجهودات، يرى الباحث أن السؤال الأساسي يظل مرتبطاً بمدى انعكاس هذه الاستثمارات الضخمة على حياة المواطنين، موضحاً أن عددا من الدراسات النقدية تشير إلى أن ارتفاع نفقات الاستثمار العمومي لا يقابله تحسن واضح في مؤشرات التنمية، وهو ما يثير تساؤلات بشأن مردودية هذه السياسة العمومية.
واعتبر أن هذا الأمر يتجلى في استمرار ارتفاع معدلات البطالة، خاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، إلى جانب استمرار ضعف الخدمات العمومية في المناطق القروية، واستمرار التفاوت المجالي في توزيع البنيات التحتية الاجتماعية المرتبطة بالصحة والتعليم والسكن.
وفي حديثه عن كيفية قياس العائد الحقيقي لهذه المشاريع، شدد الهيري على أن تقييم الاستثمار العمومي يجب أن يتجاوز المقاربة الكمية القائمة على حجم الإنفاق، ليرتكز على تقييم متعدد الأبعاد يشمل الأثر الاقتصادي والاجتماعي.
وأوضح أن الجانب الاقتصادي ينبغي أن يقاس من خلال مؤشرات من قبيل عدد مناصب الشغل الدائمة التي يتم خلقها مقابل كل درهم مستثمر، ومدى مساهمة الاستثمار في تعزيز النمو غير الفلاحي، إضافة إلى أثره في تحفيز الاستثمار الخاص، بينما يقتضي الجانب الاجتماعي الاعتماد على مؤشرات التنمية البشرية، مثل نسب الأمية، ومستوى الولوج إلى الخدمات الصحية، وقرب المواطنين من المرافق العمومية.
ولفت مدير المختبر متعدد التخصصات للبحث في الاقتصاد والمالية وتدبير المنظمات إلى أن مسألة الاستدامة المالية تبقى بدورها مطروحة، بالنظر إلى استمرار ارتفاع حجم الدين العمومي الإجمالي مقارنة بالناتج الداخلي الإجمالي، وهو ما يستدعي الحرص على تحقيق أفضل مردودية ممكنة لكل درهم يتم استثماره.
وخلص الهيري إلى أن الرهان الحقيقي لا يتمثل في رفع حجم الاستثمار العمومي فقط، وإنما في إعادة هندسة آليات الحكامة، وتعزيز تقييم الأثر، وضمان توزيع أكثر عدالة لمنافع الاستثمار، مؤكدا أن الإشكال المرتبط بهذه الميزانيات الضخمة يكمن في كونها ليست دائماً ذات مردودية وإنتاجية كافيتين، ما يضع الحكومة أمام مسؤولية مزدوجة تتمثل في ضمان جودة الإنفاق، وليس حجمه فقط، وجعل المواطن، وليس المشروع في حد ذاته، الغاية الأساسية من كل استثمار عمومي.