اقتصادكم – عبد الصمد واحمودو
أصبح تحليل الأداء التكتيكي أحد العناصر التي لا يمكن الإستغناء عنها، داخل الأجهزة التقنية للأندية، في ظل التطور المتسارع الذي تعرفه كرة القدم الحديثة، واعتماد المدربين بشكل أكبر على المعطيات الرقمية والتحليل التكتيكي قبل المباريات وأثناءها وبعدها.
وفي المغرب، ما يزال هذا المجال في طور التطور، رغم تنامي حضوره داخل أندية البطولة الاحترافية، خصوصا لدى الفرق التي تسعى إلى مواكبة الأساليب الحديثة في الإعداد والتحضير للمباريات.
في هذا الحوار مع "اقتصادكم"، يتحدث صلاح الدين العنيبة، محلل الأداء، عن طبيعة هذه المهنة وأهميتها داخل الطاقم التقني، وحدود الاعتماد عليها في الأندية المغربية، كما يستحضر تجربته مع الكوكب المراكشي والرجاء الرياضي، ويتحدث عن ظروف اشتغاله إلى جانب المدرب فادلو ديفيدز، والتحدي المزدوج الذي خاضه بين تحليل الأداء والترجمة الفورية، فضلا عن رؤيته لمساره المهني وطموحه للعودة مستقبلا إلى التدريب.
اقتصادكم: بصفتك محلل أداء، ماذا يقصد بتحليل الأداء عبر الفيديو، وما هي مهمة من يشغل هذا المنصب؟
صلاح الدين: بداية، أعتقد أن مصطلح "محلل الأداء عبر الفيديو" ليس دقيقا بشكل كبير، لأنه جاء نتيجة ترجمة حرفية للمصطلحات المستخدمة في اللغتين الإنجليزية والفرنسية. والمسمى الأدق، في نظري، هو "المحلل التكتيكي" أو "Tactical Analyst".
تحليل الأداء يشمل مجالات متعددة، من بينها تحليل البيانات والأرقام المتعلقة بالأداء البدني والفني للاعبين، بينما يتولى المحلل التكتيكي وضع هذه الأرقام في سياقها، بالاعتماد على تحليل مقاطع الفيديو الخاصة بالمباريات.
وفي الأندية الأوروبية الكبرى، لا تكون مهمة التحليل محصورة في شخص واحد، بل توجد خلية متكاملة للتحليل تضم رئيس الخلية، ومحلل البيانات، والمحلل التكتيكي، وأحياناً متخصصاً في تحليل الكرات الثابتة.
وتتمثل مهمة المحلل التكتيكي قبل المباراة في دراسة المنافس، وتحديد نقاط قوته وضعفه، ورصد الجمل التكتيكية والأنماط التي تتكرر في طريقة لعبه، من أجل منح المدرب صورة أكثر شمولاً تساعده على اختيار أسلوب اللعب ومفاتيح المباراة.
وخلال المباراة، يواصل المحلل دراسة أداء الفريق والمنافس، والبحث عن المعطيات التي يمكن أن تساعد الطاقم التقني على اتخاذ القرارات المناسبة وتحقيق الانتصار. أما بعد المباراة، فتتم دراسة ما تحقق، بهدف تثبيت النقاط الإيجابية وتصحيح الأخطاء وبناء العمل عليها في المباريات المقبلة.
اقتصادكم: بعض الأندية لا تعتمد بشكل كبير على هذه المهمة ضمن طاقمها التقني، فهل يمكن فعلا الاشتغال دون وجود محلل أداء؟
صلاح الدين: أعتقد أن الجواب المختصر هو: لا، لا يمكن ذلك في كرة القدم الحديثة. لكن يجب الإشارة إلى أن هذا المجال ما يزال جديداً نسبياً في المغرب، إذ لا يتجاوز حضوره الفعلي بضع سنوات.
صحيح أن تقريبا جميع أندية القسم الاحترافي الأول أصبحت تتوفر على شخص يحمل مسمى محلل فيديو، لكن السؤال الحقيقي هو: هل يمتلك هذا الشخص فعلا المستوى التكتيكي والمعرفة اللازمة للقيام بهذه المهمة؟
أحيانا نجد أن شخصا من خلية الإعلام يتولى فقط تقطيع مقاطع الفيديو أو القيام بالمونتاج، وهذا يختلف بشكل كبير عن التحليل التكتيكي الحقيقي.
هناك أندية بدأت تستثمر أكثر في هذا المجال، خصوصا بعض الأندية الكبرى التي وصلت إلى مرحلة الاستعانة بمحللين اثنين، لكن لا تزال هناك أندية تحتاج إلى تطوير هذا الجانب.
وفي النهاية، الأمر يرتبط أيضا بقناعة المدرب. فهناك مدربون من الجيل الجديد يدركون أهمية مواكبة التقنيات الحديثة، ويمنحون محلل الأداء الصلاحيات التي تتناسب مع الإضافة التي يمكن أن يقدمها. وفي المقابل، هناك مدربون ما زالوا يعتبرون أن المدرب الرئيسي قادر على القيام بمعظم المهام بمفرده، وحتى المساعدون لا يحصلون أحياناً على الصلاحيات الكافية، فما بالك بمحلل الأداء.
اقتصادكم: مررت بتجارب عدة في البطولة، من بينها الكوكب الرياضي والرجاء الرياضي. حدثنا عن التجربتين
صلاح الدين: كانت بدايتي كمحلل أداء بالفيديو، أو بالأحرى كمحلل تكتيكي، مع فريقي الأم الكوكب المراكشي. أتوجه لهم بالشكر لأنهم كانوا أول فريق فتح أمامي هذا الباب، بعد سنتين قضيتهما في تدريب الفئات السنية، أقل من 17 وأقل من 19 سنة.
في السنة الثالثة، انتقلت إلى مركز تكوين الكوكب المراكشي للعمل كمحلل تكتيكي مع فئة أقل من 21 سنة، وكان مدير التكوين حينها المدرب أنوار المغنية، وهو أول شخص اشتغلت معه في هذا المجال.
كانت تلك السنة مهمة جدا بالنسبة لي، لأنها منحتني مساحة للتعلم والتجربة وارتكاب الأخطاء والاستفادة منها، بالتوازي مع متابعة دورات تكوينية في تحليل الأداء والحصول على دبلومات في مجال التدريب.
بعد ذلك انتقلت إلى الفريق الأول، واشتغلت مع مجموعة من المدربين، من بينهم عادل الراضي، خلال الموسم الذي لم نتمكن فيه من تحقيق الصعود بفارق نقطة واحدة، ثم فؤاد الصحابي خلال المباريات الأخيرة من الموسم، وأتمنى له بهذه المناسبة الشفاء العاجل.
بعدها اشتغلت مع رضا حكم في موسم تحقيق الصعود، وكانت سنة مليئة بالتحديات بالنسبة إلى الطاقم واللاعبين والمكتب والجمهور، لكننا تمكنا في النهاية من إعادة الفريق إلى القسم الأول بعد غياب دام عشر سنوات.
وأعتبر أن مساهمتي، ولو كانت بسيطة، في عودة الكوكب إلى القسم الأول تبقى أفضل ذكرى سأحملها معي في مشواري الكروي.
بعد ذلك جاءت تجربة الرجاء الرياضي. في البداية كان هناك تواصل مع المدرب فادلو ديفيدز من أجل العمل معه في فريق سيمبا التنزاني، لكن بعد توصله بعرض الرجاء، التحقت بطاقمه كمحلل أداء ومترجم فوري في الوقت نفسه.
كانت سنة صعبة وفترة انتقالية بالنسبة إلى الرجاء، لكنها كانت غنية جدا بالنسبة إلي على المستوى الشخصي والمهني، خصوصا بالنظر إلى حجم النادي ومتطلبات العمل وكثافته. صحيح أننا لم نحقق الهدف النهائي، والمتمثل في إنهاء الموسم بالتتويج وإسعاد الجماهير، وهذا أمر يؤسفني كثيراً، لكن التجربة أضافت إلي الكثير.
اقتصادكم: ربما كانت تجربة الرجاء أكثر ضغطا، خصوصا أنكم كنتم عازمين على تحقيق اللقب. ما الذي حال دون استكمال التجربة؟
صلاح الدين : بالفعل، تجربة الرجاء كانت أكثر ضغطا، لأن المتطلبات في هذا النادي مرتفعة دائما. حتى عندما تحقق نتيجة إيجابية اليوم، يكون المطلوب في اليوم التالي أن تكون أفضل.
الهدف الذي جئنا من أجله كان واضحا، وهو المنافسة على اللقب والتتويج به. لكن في كرة القدم، أحياناً تكون هناك تفاصيل صغيرة قادرة على تغيير مسار موسم كامل.
في المباريات الأخيرة، كنا في مناسبتين نتصدر البطولة، ثم فقدنا الصدارة مباشرة بعد ذلك. وأعتقد أن أي متابع ينظر بموضوعية إلى مباراتي الديربي وبركان في الدار البيضاء سيلاحظ أننا قدمنا فيهما الكثير، باستثناء تحقيق الانتصار.
وصلنا إلى مرمى المنافس مقارنة به بنسب مرتفعة، خصوصا في مباراة بركان، لكن للأسف لم نحصل على النتيجة التي كنا نبحث عنها.
وكانت هاتان المباراتان مؤثرتين بشكل كبير في مسار الموسم، لأننا قبل خوضهما كنا في صدارة الترتيب. وكان الفوز في الديربي، خصوصا، يمكن أن يمنحنا خطوة كبيرة نحو التتويج بالدوري.
تبقى تلك غصة بالنسبة إلي، لأن الهدف والفرحة التي كنا نريد أن ننهي بها الموسم لم يتحققا للأسف.
اقتصادكم: كيف خضت تجربة محلل الأداء والمترجم في الوقت نفسه؟
صلاح الدين : كانت تجربة صعبة، لكنها في الوقت نفسه كانت رائعة ومفيدة جدا، وأضافت الكثير إلى تجربتي المهنية وسيرتي الذاتية.
إلى جانب مهامي طوال الأسبوع في تحليل أداء الفريق والمنافسين والكرات الثابتة، وتحليل الأداء الفردي لبعض اللاعبين والاجتماعات الفردية، كنت مطالبا بالترجمة الفورية خلال التداريب والاجتماعات اليومية التي تسبق الحصص التدريبية، وكذلك خلال المباريات، سواء داخل مستودع الملابس أو على دكة الاحتياط.
ومن المهم أن يعرف الناس أن مترجم كرة القدم ليس مجرد مترجم للغة بشكل حرفي. المطلوب هو نقل المعنى، والأهم نقل الإحساس الذي يريد المدرب إيصاله إلى اللاعب.
في أول حديث لي مع المدرب فادلو، سألني إن كنت قادرا على رفع صوتي عندما يرفع صوته، وخفضه عندما يتحدث بهدوء. وهذا أمر ليس سهلا، لأن نقل المشاعر في اللحظة نفسها، إلى جانب المعنى التكتيكي، يتطلب مهارة مختلفة عن مجرد إتقان اللغة.
الحمد لله، أعتقد أنني وفقت إلى حد كبير في هذا الجانب، وهو ما منحني تجربة وخبرة إضافية ستساعدني بالتأكيد في مساري مستقبلا.
اقتصادكم: وبصفتك حلقة الوصل في التواصل بين المدرب واللاعبين، ألم تكن المهمة مرهقة نوعا ما؟
صلاح الدين: خضت هذه التجربة قبل الرجاء، مع الكوكب المراكشي رفقة المدرب عادل الراضي، حيث كان لدينا أربعة لاعبين يتحدثون الإنجليزية. لذلك كانت لدي خلفية سابقة حول كيفية نقل رسائل المدرب إلى اللاعبين ورسائل اللاعبين إلى المدرب.
الأمر المهم في الترجمة داخل كرة القدم هو أنك تنقل المعنى والمشاعر، وليس الكلمات فقط. والحمد لله، كان الجميع، سواء المدرب أو اللاعبون، يدركون أن المترجم ينقل الرسالة ولا يتبنى مضمونها.
طوال الموسم لم يحدث أي سوء تفاهم بسبب الترجمة، سواء خلال التداريب أو المباريات، وهذا أمر أعتبره من الأشياء التي أنا راض عنها كثيراً في تجربتي.
أما على مستوى الضغط، فقد كانت التجربة مرهقة ذهنيا أكثر منها بدنيا، خصوصا أنني كنت أحرص دائماً على تقديم أفضل ما لدي. لكن رغم ذلك، كانت تجربة مفيدة جدا.
اقتصادكم: بحكم قربك من فادلو والدور الذي لعبته في إيصال كلامه للاعبين، هل كنت ترى نفسك مدربا ثانيا أو مساعد مدرب إلى جانب مهامك الأخرى؟
صلاح الدين: الجواب المختصر هو: لا، صحيح أن المدرب فادلو كان يعرف إمكاناتي والإضافة التي يمكن أن أقدمها للطاقم التقني، ومنحني صلاحيات تتناسب مع قدراتي، وهذه الثقة كانت مهمة جدا بالنسبة إلي.
لكن هذا لا يعني أنني كنت في مستوى أو دور مساعد المدرب، لأن الوقت ما يزال مبكرا جدا في مساري المهني للوصول إلى تلك المرحلة.
أنا بدأت من تدريب الفئات السنية، ثم انتقلت إلى تحليل الأداء، وفي الوقت نفسه أواصل تكويني والحصول على دبلومات التدريب. وأعتقد أنني سأعود يوما إلى التدريب، من بوابة مساعد مدرب ثم مدرب، وهذا جزء من المسار المهني الذي رسمته لنفسي.
لكن في المرحلة الحالية، كان دوري مع فادلو واضحا محلل أداء ومترجم، ولا يتجاوز ذلك. وفي المقابل، منحني المدرب ثقة كبيرة داخل حدود منصبي كمحلل أداء، وهو ما شجعني على تقديم كل ما أملك وإظهار قدراتي، وهذه الثقة ليست أمرا يوفره جميع المدربين لأفراد أطقمهم التقنية.