فوزي لشقر: الجرائم السيبرانية تحولت إلى تهديد حقيقي للاقتصاد المغربي

ملفات خاصة - 18-08-2026

فوزي لشقر: الجرائم السيبرانية تحولت إلى تهديد حقيقي للاقتصاد المغربي

 

 

   

 

اقتصادكم- عبد الصمد واحمودو 

 

لم تعد الجرائم السيبرانية مجرد تهديد تقني يهم أقسام المعلوميات، بل تحولت إلى تحد اقتصادي يمس استمرارية المقاولات وثقة الزبناء والمستثمرين وسلامة المعاملات والبيانات. ومع تسارع وتيرة التحول الرقمي في المغرب، تتزايد في المقابل المخاطر المرتبطة بالقرصنة والاحتيال الإلكتروني وتسريب البيانات وبرمجيات الفدية.

وفي هذا الحوار مع موقع "اقتصادكم"، يسلط فوزي لشقر إطار عالي بالأكاديمية الاستقلالية للشباب و عضو المجلس الوطني للشباب، خبير دولي في الأمن السيبراني  الضوء على تنامي التهديدات السيبرانية وانعكاساتها على الاقتصاد المغربي والمقاولات، خصوصا الصغرى والمتوسطة، كما يتوقف عند أبرز أشكال الجرائم الرقمية التي تستهدف الشركات والمؤسسات المالية، وتأثيرها على ثقة المستثمرين والزبناء. كما يستعرض الإجراءات التي يتعين تعزيزها لحماية الاقتصاد ومواكبة التحول الرقمي، مؤكدا أن بناء اقتصاد رقمي قوي يمر بالضرورة عبر ترسيخ الأمن والمرونة والثقة الرقمية.

في ما يلي نص الحوار:

 

اقتصادكم: إلى أي حد أصبحت الجرائم الرقمية تشكل تهديدا حقيقيا للاقتصاد المغربي والمقاولات؟ خصوصا بعد انتشار ظاهرة القرصنة "جبروت" كمثال.

فوزي لشقر: أصبحت الجرائم الرقمية اليوم تهديدا اقتصاديا حقيقيا، وليس مجرد مشكلة تقنية تخص أقسام المعلوميات. فكلما توسعت رقمنة الخدمات والمعاملات والبيانات، توسعت معها أيضاً مساحة التعرض للهجمات السيبرانية. وهذا ما تؤكده الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني، التي تعتبر أن الرقمنة غير المتحكم فيها يمكن أن توفر بيئة مواتية للأعمال الإجرامية السيبرانية التي قد تستهدف الاقتصاد والخدمات الحيوية والأنظمة المعلوماتية.

التهديد لا يقتصر على سرقة الأموال؛ فقد يتعلق بسرقة البيانات، تعطيل الأنظمة، الابتزاز، التجسس الاقتصادي أو تسريب معلومات حساسة. وبالتالي، فإن حادثاً سيبرانياً واحداً يمكن أن يتحول من مشكلة تقنية إلى خسارة مالية، واضطراب في النشاط، وضرر في السمعة، وفقدان ثقة الزبناء والشركاء.

أما بخصوص "جبروت"، فمن المهم التمييز بين الظاهرة العامة للقرصنة وبين التفاصيل المنسوبة إلى جهة أو مجموعة معينة. لا أستطيع تأكيد تفاصيل محددة حول «جبروت»لكن إذا أخذناه كمثال على تنامي ظاهرة القرصنة، فهو يعكس سؤالا أوسع: هل المؤسسات المغربية مستعدة للتعامل مع الهجمات الرقمية بنفس الجدية التي تتعامل بها مع المخاطر المالية والتشغيلية التقليدية؟

الجواب يجب أن يكون: الأمن السيبراني أصبح جزءا من الأمن الاقتصادي الوطني.

 

اقتصادكم: ما هي أبرز أشكال الجرائم السيبرانية التي تستهدف اليوم الشركات والمؤسسات المالية المغربية؟

فوزي لشقر: يمكن تقسيم أبرز التهديدات إلى عدة فئات. أولها الاحتيال والهندسة الاجتماعية(social engineering )، خصوصا التصيد الإلكتروني(Phishing attacks) وسرقة بيانات الدخول وانتحال صفة المؤسسات أو المسؤولين. وهذا النوع يستغل العامل البشري قبل أن يستهدف التكنولوجيا.

ثانيا، هناك برمجيات الفدية (Ransomware)، حيث يتم اختراق الأنظمة وتشفير البيانات ثم مطالبة المؤسسة بفدية مقابل استعادتها، إضافة إلى الابتزاز عندما يتم تهديد المؤسسة بنشر البيانات المسروقة.

ثالثا، هناك سرقة البيانات والمعلومات الحساسة، بما فيها بيانات الزبناء والموظفين والمعلومات المالية والتجارية. وهنا لا نتحدث فقط عن خسارة تقنية، بل عن مسؤولية قانونية وسمعة المؤسسة أيضاً. فالقانون المغربي رقم 08-09 يلزم المسؤول عن معالجة البيانات باتخاذ تدابير تقنية وتنظيمية مناسبة لحمايتها من الضياع أو التغيير أو الوصول غير المصرح به. (CNDP)

كما توجد هجمات تعطيل الخدمات والمواقع الإلكترونية (DOS & DDOS)، واختراق الحسابات، واستغلال الثغرات الأمنية في التطبيقات والبنية التحتية، إضافة إلى التهديدات المرتبطة بالموردين والشركاء وسلاسل التوريد الرقمية.

بالنسبة للمؤسسات المالية، تزداد حساسية هذه المخاطر بسبب طبيعة البيانات والمعاملات التي تديرها. لذلك، فإن الأمن السيبراني في القطاع المالي لا يتعلق فقط بحماية أجهزة الحاسوب، بل بحماية الثقة في النظام المالي الرقمي بأكمله.

 

اقتصادكم: كيف يمكن للهجمات السيبرانية أن تؤثر على ثقة المستثمرين والزبناء في الاقتصاد المغربي؟

فوزي لشقر: الثقة هي ربما أكبر خسارة غير مباشرة يمكن أن تسببها الهجمات السيبرانية.

بالنسبة للزبون، عندما يسمع أن مؤسسة تعرضت لتسريب بيانات أو اختراق، فإنه قد يبدأ في التساؤل: هل أموالي وبياناتي آمنة؟ وهل يمكنني الوثوق بهذه المؤسسة مستقبلاً؟

أما بالنسبة للمستثمر، فالأمر أكثر استراتيجية. المستثمر لا ينظر فقط إلى حجم السوق أو تكلفة الاستثمار، وإنما يهتم أيضاً بقدرة الدولة والشركات على حماية أصولها وبياناتها واستمرارية أعمالها. لذلك يمكن للحوادث السيبرانية المتكررة أن ترفع تصور المخاطر المرتبطة بالاستثمار.

وهنا تظهر أهمية الأمن السيبراني كعنصر من عناصر جاذبية الاقتصاد والاستثمار. فالدولة التي توفر بيئة رقمية موثوقة وآمنة تساعد على تشجيع التجارة الإلكترونية، والخدمات المالية الرقمية، والاستثمار في التكنولوجيا، والاقتصاد الرقمي.

ولهذا جعلت الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني من أهدافها خلق بيئة رقمية موثوقة قادرة على دعم ومواكبة التحول الرقمي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية للمملكة

 

اقتصادكم: هل المقاولات المغربية، خصوصا الصغرى والمتوسطة، تستثمر بالشكل الكافي في حماية أنظمتها وبياناتها؟

فوزي لشقر: من الصعب إعطاء حكم شامل على جميع المقاولات المغربية الصغرى والمتوسطة تستثمر بشكل كاف أو غير كاف في الأمن السيبراني. لكن يمكن القول إن التحدي واضح، خصوصا بالنسبة للمقاولات الصغيرة والمتوسطة التي غالبا ما تواجه قيودا في الموارد البشرية والمالية والخبرة التقنية مقارنة بالمؤسسات الكبرى.

المشكلة الأساسية هي أن بعض المقاولات لا تزال تنظر إلى الأمن السيبراني باعتباره تكلفة إضافية، بينما يجب النظر إليه باعتباره استثماراً في استمرارية الأعمال وحماية الأصول والثقة.

ولا تحتاج كل مقاولة إلى إنشاء مركز عمليات أمنية خاص بها أو امتلاك بنية تقنية ضخمة. الأهم هو اعتماد حد أدنى من الحماية يتناسب مع مستوى المخاطر: تحديث الأنظمة، النسخ الاحتياطي، المصادقة متعددة العوامل، حماية البريد الإلكتروني، إدارة الصلاحيات، تدريب الموظفين، اختبار خطط الاستجابة للحوادث، ومراقبة الأنظمة الحساسة.

كما أن حماية البيانات ليست اختيارا فقط؛ فالقانون 08-09  والقانون 20-05يفرض على المسؤولين اتخاذ احتياطات وتدابير أمنية مناسبة لحماية سلامة وسرية البيانات.

 

اقتصادكم: ما هي الإجراءات التي ينبغي للمغرب تعزيزها لحماية اقتصاده ومواكبته للتحول الرقمي بأمان؟

فوزي لشقر: المغرب قطع بالفعل خطوات مهمة، وأبرزها وضع الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني التي تقوم على أربعة محاور رئيسية: الحكامة والإطار المؤسساتي والقانوني، أمن وصمود الفضاء السيبراني، تطوير القدرات والتوعية، ثم التعاون الإقليمي والدولي.

لكن التحدي الآن هو الانتقال من الاستراتيجية إلى التنفيذ الواسع والملموس.

وأعتقد أن الأولوية يجب أن تكون في خمسة اتجاهات:

أولا: جعل الأمن السيبراني جزءا من كل مشروع رقمي منذ مرحلة التصميم، وليس إضافة تأتي بعد إطلاق المشروع.

ثانيا: دعم المقاولات الصغرى والمتوسطة من خلال برامج للتوعية والمواكبة والحلول الأمنية ذات التكلفة المناسبة، لأن حماية الاقتصاد لا يمكن أن تقتصر على المؤسسات الكبرى.

ثالثا: الاستثمار في العنصر البشري. فالأمن السيبراني يحتاج إلى مهندسين وخبراء ومختصين، لكنه يحتاج أيضاً إلى موظف عادي يعرف كيف يتعرف على رسالة تصيد أو محاولة احتيال. والاستراتيجية الوطنية نفسها تؤكد أهمية تطوير القدرات ورأس المال البشري.

رابعا: تعزيز تبادل المعلومات والاستجابة للحوادث. الهجوم السيبراني لا يحترم الحدود بين المؤسسات، ولذلك فإن مشاركة مؤشرات الاختراق والخبرات والدروس المستفادة بين القطاعات أمر أساسي لتعزيز قدرة الاقتصاد على الصمود.

خامسا: تعزيز ثقافة الأمن السيبراني باعتباره مسؤولية مشتركة. الدولة مسؤولة، والمؤسسات مسؤولة، والمقاولات مسؤولة، والمواطن أيضا جزء من منظومة الحماية.

في النهاية، لا ينبغي أن يكون الهدف هو الوصول إلى اقتصاد "لا يمكن اختراقه"، فهذا غير واقعي. الهدف الحقيقي هو بناء اقتصاد قادر على الوقاية، والكشف المبكر، والاستجابة السريعة، واستعادة النشاط بعد الهجوم.

فالتحول الرقمي والأمن السيبراني ليسا مسارين متعارضين؛ بالعكس، لا يمكن أن ينجح التحول الرقمي على المدى الطويل من دون بناء الثقة والأمن والمرونة الرقمية في الوقت نفسه.