الزراعة البيولوجية بالمغرب.. نموذج اقتصادي يعيد تشكيل السوق عبر البيع المباشر والمنصات الرقمية

ملفات خاصة - 04-05-2026

الزراعة البيولوجية بالمغرب.. نموذج اقتصادي يعيد تشكيل السوق عبر البيع المباشر والمنصات الرقمية

اقتصادكم – عبد الصمد واحمودو 

تشهد الاستثمارات في قطاع المنتجات الفلاحية البيولوجية توسعا كبيرا، مع إقبال متنام من قبل الفلاحين على هذا النمط الزراعي الذي يقوم على اعتماد مواد طبيعية وصديقة للبيئة، ويستجيب في الآن ذاته لاهتمامات متزايدة لدى المستهلكين المرتبطة بالصحة وجودة الغذاء.

وتتميز المنتجات البيولوجية عن نظيرتها التقليدية بارتفاع أسعارها نسبيا، مقابل جودة أعلى، وكونها خالية من المواد الكيميائية والمبيدات، ما يعزز جاذبيتها لدى شريحة متزايدة من المستهلكين، ذوي الدخل المادي الذي يسمح بالإقبال على هذا النوع من المواد الغذائية.
وعلى مستوى التسويق، تعتمد هذه المنتجات مسارات مختلفة عن سلاسل التوريد التقليدية، حيث يتم تسويقها عبر قنوات بديلة ومتنوعة، تربط في كثير من الأحيان بشكل مباشر بين المنتج والمستهلك.

الربحية الاقتصادية للزراعة العضوية

وفي هذا السياق، كشف أمين بن عبد النبي، المتخصص في الفلاحة البيولوجية ومؤسس “Ferme Gaïa” المتخصصة في إنتاج المنتجات الفلاحية العضوية، في تصريح خاص لـ "اقتصادكم"، أنه لا يمكن مقارنة الزراعة العضوية، وخاصة الزراعة القائمة على "البرماكولتور" أو ما يعرف اصطلاحا بمحاكاة النظم الطبيعية، بالزراعة التقليدية فقط من زاوية المردودية الخام للهكتار، لأن المنطق الاقتصادي يختلف جذريا بين النموذجين.

وأوضح بن عبد النبي، أن  الزراعة التقليدية، يعتمد إنتاجها بشكل كبير على المدخلات الخارجية من أسمدة ومبيدات ومكننة، وهو ما يساهم في رفع حجم الإنتاج، لكنه يتطلب في المقابل تكاليف مرتفعة وتبعية مستمرة لهذه المدخلات.

وأشار المتخصص في الزراعة البيولوجية، إلى أن هذا النوع من النشاط الفلاحي، يعتمد أساسا على الإنتاج الذاتي والعمل مع المنظومة البيئية الطبيعية. كإنتاج السماد العضوي وتجنب استخدام المعالجات الكيميائية، كما أن جزءا كبيرا من العمل يتم يدويا عوض الاعتماد على الآلات. مبرزا أن هذا التوجه يساهم في تقليص تكاليف الإنتاج بشكل كبير، ويجعلها أكثر استقرارا على المدى الطويل، كما هو معمول به في “Ferme Gaïa”.

أكد أمين بن عبد النبي أن الزراعة العضوية، رغم احتمال تسجيل بعض الخسائر الناتجة عن الأمراض، تظل هذه الخسائر محدودة في حال توفر نظام بيئي متوازن، مبرزا أن تنوع المحاصيل يشكل آلية فعالة لتوزيع المخاطر، إذ يمكن تعويض خسارة منتج بمنتجات أخرى.

وأوضح أن الفارق الحاسم في تحقيق الربحية يرتبط أساسا بأسلوب التسويق، مشيرا إلى أن اعتماد البيع المباشر للمستهلك يسمح بتفادي هوامش الوسطاء، سواء على مستوى الجملة أو التوزيع، مما يساهم في تحسين المردودية بشكل ملموس.

وأضاف أنه لا توجد إجابة قطعية بخصوص ربحية هذا النموذج، غير أنه أعرب عن ثقته في أن الزراعة القائمة على "البرماكولتور" تظل أكثر جدوى من غالبية نماذج الزراعة التقليدية، مع الإقرار بوجود حالات محدودة، خاصة في الزراعات المكثفة عالية التحكم، قد تحقق نتائج أفضل. وأرجع ذلك إلى التحكم في التكاليف واعتماد قنوات بيع مباشرة.

وفي ما يتعلق بالآجال، أشار إلى أن مشاريع "البرماكولتور" تحتاج عادة ما بين سنتين وخمس سنوات لبلوغ مرحلة الربحية المستقرة، وهي فترة ضرورية لبناء تربة حية وتحقيق توازن بيولوجي وإرساء نموذج تجاري متكامل، مؤكدا أن النظام يصبح بعد ذلك أكثر مرونة وقابلية للتوقع.

نموذج التوزيع والتسويق

وفي ما يخص، التوزيع والتسويق شدد المتخصص على أن البيع المباشر يمثل العامل الأكثر حسما في تحقيق الجدوى الاقتصادية، إذ يتيح استرجاع حصة أكبر من القيمة، مع ضمان أسعار عادلة للمستهلك وربحية مستدامة للمزرعة.

كما أبرز أهمية نموذج “السلسلة القصيرة”، الذي يقوم على جني المنتجات في يوم تسليمها، ما يضمن وصولها إلى الزبائن في غضون ساعات قليلة فقط، وهو ما ينعكس إيجابا على الجودة.

وبناء على تجربته الشخصية، يرى بن عبد النبي، أن المنصة الرقمية تضطلع بدور محوري في هيكلة هذا النموذج، من خلال تجميع الطلبات وأتمتة عدد من العمليات، فضلا عن كونها أداة فعالة لاتخاذ القرار، حيث يتم الاعتماد على المعطيات لضبط الإنتاج وفقا للطلب، مما يقلص الهدر بشكل كبير.

وأوضح أنه، بخلاف البيع في الأسواق التقليدية الذي قد يؤدي إلى فائض غير مباع، يتم اليوم جني المنتجات بناء على الطلبات المسبقة، مع الإبقاء عليها في الأرض حتى اللحظة الأخيرة، ما يحسن جودتها ويقلل من التلف، مع اعتماد حلول للتحويل بالنسبة للمنتجات التي بلغت مرحلة النضج.

وفي المقابل، سجل أن هذا النموذج يواجه تحديات لوجستية، بالنظر إلى طبيعة المنتجات الطازجة وسريعة التلف، ما يفرض تسليما سريعا وإدارة مباشرة لسلسلة التوزيع، إلى جانب تحديات تتعلق بضمان استمرارية العرض في ظل ارتباط الإنتاج بعوامل طبيعية، فضلا عن محدودية السوق، ما يستدعي مجهودا مستمرا في التوعية وتنظيم العرض.
وأكد أن هذا النموذج يقوم على توازن دائم بين مرونة الإنتاج الزراعي ومتطلبات السوق.

السوق وآفاق التطور

وفي ما يتعلق بالسوق، أوضح أمين بن عبد النبي أن الطلب على المنتجات العضوية في المغرب يشهد نموا ملحوظا، رغم بقائه محصورا في شريحة محدودة من المستهلكين، مشيرا إلى أن التحول الأبرز يتمثل في توجه المستهلك نحو البحث عن الجودة والمعنى والشفافية والعلاقة المباشرة مع المنتج.

واعتبر أن الفاعلين في هذا المجال لا يشتغلون بمنطق التنافس بقدر ما يشكلون منظومة متكاملة لتطوير السوق، مؤكدا أن الإمكانات المتاحة كبيرة وتتطلب تضافر الجهود، خاصة في مجال التوعية وبناء عرض ذي جودة.

وأشار المصدر ذاته، أن تطوير مشروعه يرتكز على محورين رئيسيين، يتمثل الأول في إحداث منظومة رقمية متكاملة موجهة للفلاحين، توفر أدوات للتسويق وإدارة الإنتاج بالاعتماد على البيانات، فيما يهم الثاني تنويع العرض، لا سيما من خلال تطوير مشروع “La Maison du Levain”، الذي يهدف إلى تثمين الإنتاج الفلاحي عبر تحويله إلى منتجات نهائية.