اقتصادكم - أسامة الداودي
أصبحت الرقمنة اليوم أحد أبرز رهانات التنمية الاقتصادية بالمغرب، في ظل توسع الخدمات الإلكترونية، وتنامي التجارة الرقمية، واعتماد تقنيات جديدة كالذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية.
وفي المقابل، يطرح هذا التحول أسئلة متزايدة بشأن مدى جاهزية المنظومة القانونية لمواكبة هذه التحولات، وحماية حقوق الأفراد، وتأمين بيئة رقمية تستجيب لمتطلبات الاقتصاد الحديث.
وأقر الباحث في القانون الاقتصادي زكرياء الزوجال، في هذا الصدد، بكون التكنولوجيا الرقمية أصبحت اليوم الرافعة الأساسية للتحولات التنموية المعاصرة، مؤكداً أن المغرب لم يكن بمنأى عن هذا التحول، إذ انخرط مبكراً في مسار الرقمنة منذ دخول الإنترنت إلى المملكة سنة 1995، قبل أن تتوالى الاستراتيجيات الوطنية المواكبة لهذا الانتقال، وصولا إلى إطلاق استراتيجية "المغرب الرقمي 2030" سنة 2024، التي تروم إحداث دينامية سوسيو-اقتصادية مستدامة قائمة على الابتكار الرقمي.
وأوضح زكرياء الزوجال، في تصريح لموقع "اقتصادكم"، أن هذا التوجه يجعل من بناء إطار قانوني متين ومرن رهانا استراتيجيا أساسيا، بما يمكن من مواكبة الطفرات التكنولوجية المتسارعة وتأمين البيئة الرقمية، معتبراً أن المنظومة القانونية المغربية شهدت خلال السنوات الماضية طفرة تشريعية مهمة أفرزت ترسانة من القوانين التي تؤطر مختلف الأبعاد المدنية والتجارية والإدارية والأمنية للفضاء الرقمي.
وأبرز أن هذه المنظومة تضم عددا من النصوص الأساسية، من بينها القانون رقم 24.96 المتعلق بالبريد والمواصلات السلكية واللاسلكية، الذي وضع اللبنات الأولى لتنظيم قطاع الاتصالات، إلى جانب القانون رقم 05.20 المتعلق بالأمن السيبراني، والقانون رقم 03.07 المتمم لمجموعة القانون الجنائي والمتعلق بمكافحة الجرائم المعلوماتية، اللذين يشكلان، بحسبه، دعامة لحماية الأمن الرقمي وتأمين النظم الحيوية للدولة.
وواصل أن مجال المعاملات الإلكترونية عرف بدوره تطوراً تشريعياً من خلال القانونين 43.20 المتعلق بخدمات الثقة بشأن المعاملات الإلكترونية و53.05، اللذين منحا الحجية القانونية للتصرفات الرقمية، وأسهما في تسريع وتيرة الاقتصاد والتجارة الإلكترونية، مدعومين بالمقتضيات الحمائية للمستهلك الرقمي التي جاء بها القانون 31.08.
كما أبرز الباحث في القانون الاقتصادي أن القانون 55.19 المتعلق بتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية منح دفعة جديدة للإدارة الإلكترونية، فيما تولى القانون 88.13 تنظيم خدمات الصحافة الإلكترونية.
واعتبر الزوجال أن القانون 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي يمثل حجر الزاوية في بناء الثقة الرقمية بالمغرب، واصفاً إياه بأنه "من أبرز الإنجازات التشريعية التي حققتها المملكة خلال العقدين الماضيين، بالنظر إلى كونها من أوائل الدول في المنطقة التي قننت هذا المجال".
وأرجع قوة هذا القانون إلى اقترانه بآلية مؤسساتية تتمثل في اللجنة الوطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي (CNDP)، إضافة إلى كونه يجسد مقتضيات الفصل 24 من دستور 2011 الذي كرس الحق في حماية الحياة الخاصة.
وفي المقابل، سجل المتحدث عينه وجود فجوة واضحة بين القانون المغربي 09.08 والأطر القانونية الدولية المتقدمة، وعلى رأسها اللائحة الأوروبية العامة لحماية البيانات (GDPR)، موضحاً أن هذه الفجوة تتجلى، أولا، في محدودية نضج الحوكمة المؤسساتية، حيث ما تزال اللجنة الوطنية تضطلع أساساً بأدوار رقابية وزجرية تقليدية وبموارد محدودة، في حين تعتمد الهيئات الأوروبية نموذجاً قائماً على التعاون والتوجيه الاستباقي والحوكمة المرنة.
كما تتجلى، ثانيا، في غياب آليات قانونية تستجيب للتقنيات الناشئة، إذ إن تأخر تحيين القانون جعله، بحسب تعبيره، غير قادر على استيعاب تحديات الجيل الجديد من التكنولوجيات، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي التوليدي.
وأكد الزوجال أن الإطار التشريعي الحالي لا يزال يعتمد مقاربة تقليدية تقوم على التنظيم والضبط، دون أن يمتلك القدرة الكافية على مواكبة التحولات الرقمية المتسارعة، لافتاً إلى أن هذا القصور يبرز بشكل خاص أمام تحديات الذكاء الاصطناعي التوليدي، والحوسبة السحابية، وسلوكيات البيانات، وما تطرحه من إشكالات مرتبطة بالسيادة الرقمية، فضلا عن تقنيات البلوكشين.
وأورد أن المنظومة القانونية تعاني أيضاً من غياب التأطير التشريعي لعدد من القضايا الحديثة، من بينها الحق في النسيان الرقمي، والعقود الذكية، والعملات المشفرة، إضافة إلى غياب تنظيم قانوني لمسألة انتقال الأصول الرقمية بعد وفاة أصحابها باعتبارها جزءا من التركة الرقمية، مشيرا إلى أنه سبق أن تناول هذه المؤسسة القانونية بالدراسة في مقالين علميين منشورين في مجلة دولية محكمة، بهدف التعريف بأهميتها واستعراض التجارب المقارنة في هذا المجال.
ولفت الباحث إلى أن المغرب يواجه كذلك تحدياً يرتبط بملاءمة تشريعاته مع المعايير الدولية، بالنظر إلى اعتماد الاقتصاد الوطني بشكل متزايد على قطاع ترحيل الخدمات والشركات متعددة الجنسيات، وهو ما يفرض، بحسبه، مواءمة أكبر بين القانون المغربي 09.08 ومتطلبات اللائحة الأوروبية العامة لحماية البيانات (GDPR).
كما اعتبر أن تشتت النصوص القانونية وغياب قانون إطار أو مدونة رقمية موحدة يشكلان أحد أبرز الإكراهات التي تعيق انسجام المنظومة القانونية الرقمية.
وفي ختام تصريحه، حذر الزوجال مما وصفه بـ"اللامساواة الرقمية المجالية"، معتبراً أنها تمثل أحد أخطر التحديات التي تواجه مسار التحول الرقمي بالمغرب، وتتقاطع مع التوجيهات الملكية الرامية إلى الحد من ظاهرة "مغرب السرعتين".
وأوضح أنه رغم وفرة النصوص القانونية المنظمة للرقمنة في عدد من القطاعات، فإن هذا المسار يصطدم بإشكالين رئيسيين يتمثلان في الأمية الرقمية من جهة، والتفاوت الكبير في البنية التحتية الرقمية بين المدن والقرى من جهة أخرى، حيث ما تزال العديد من المناطق القروية تعاني غياب الصبيب العالي للإنترنت، وهو ما يحد من استفادة جميع المواطنين من ثمار التحول الرقمي.