اقتصادكم
أكد عبد المجيد بلعيش، محلل الأسواق الدوائية وخبير اقتصاد المنتجات الصحية، أن نقص الأدوية الأساسية في المغرب ليس ظاهرة جديدة، بل أزمة عالمية تفاقمت منذ جائحة كوفيد-19، غير أن المملكة تواجه أيضًا عوامل داخلية، أبرزها نظام تسعير الأدوية الذي أضعف جدوى إنتاج واستيراد الأدوية منخفضة الثمن.
وأوضح، في حوار مع مجلة Finances News Hebdo، أن شيخوخة السكان عالميًا وارتفاع الطلب على علاجات الأمراض المزمنة، إلى جانب تركّز إنتاج المواد الأولية والأدوية في الصين والهند، ساهما في اضطراب الإمدادات العالمية، خاصة بعد جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية وأزمة البحر الأحمر، التي رفعت تكاليف الإنتاج والنقل والتأمين.
وأضاف أن المغرب تأثر أيضًا بمرسوم تسعير الأدوية الصادر سنة 2013، والذي دخل حيز التنفيذ عام 2014، معتبراً أنه ركز على خفض الأسعار دون مراعاة احتمال ارتفاع تكاليف الإنتاج عالميًا.
وأشار إلى أنه بين 2014 و2016 نُشرت 69 لائحة رسمية لخفض أسعار الأدوية، وهو ما أضر خصوصًا بالأدوية منخفضة الثمن وجعل إنتاجها أو استيرادها أقل ربحية، الأمر الذي أدى إلى تسجيل حالات انقطاع مؤقتة أو دائمة.
وأشار إلى أن أكثر الأدوية عرضة للنقص هي أدوية العلاج الكيميائي للسرطان والأدوية النفسية القديمة، مثل السيسبلاتينوالكاربوبلاتين والهالوبيريدول والليثيوم، لأنها جزيئات قديمة منخفضة الربحية تُنتج في عدد محدود من المصانع حول العالم ولا تتوفر لها بدائل علاجية كافية.
وفي المقابل، أوضح أن العلاجات البيولوجية الحديثة مرتفعة الثمن نادرًا ما تعرف انقطاعات، بسبب ارتفاع مردوديتها الاقتصادية واستمرار اهتمام الشركات المصنعة بها.
وشدد بلعيش على أن الأدوية الجنيسة تمثل أحد أهم الحلول لتقليل مخاطر الانقطاع، لأنها توسع العرض في السوق، وتوفر بدائل علاجية فعالة، وتخفض كلفة العلاج على المرضى وعلى منظومة التأمين الصحي.
واعتبر أن نظام تسعير الأدوية في المغرب لا يقتصر على الأدوية الأساسية، بل يشمل جميع الأدوية تقريبًا، باستثناء مستحضرات التجميل والمكملات الغذائية والأجهزة الطبية، مشيرًا إلى أن إصلاحًا مرتقبًا قد يحصر تنظيم الأسعار في الأدوية القابلة للتعويض، مع تحرير أسعار بعض أدوية الاستعمال الذاتي (OTC).
وأوضح أن غياب نظام رقمي متطور لرصد المخزون والإنذار المبكر ساهم بدوره في تفاقم حالات النقص، إلا أن إصلاح القانون 17-04 أدخل مقتضيات جديدة تشمل مراقبة الواردات والصادرات الدوائية، وتتبع السوق، ومراقبة مخزونات السلامة، وتعزيز عمليات التفتيش.
وأضاف أن المغرب لا يتوفر بعد على نظام إنذار مبكر متكامل وقادر على التنبؤ بانقطاعات الأدوية قبل أسابيع أو أشهر، كما هو معمول به في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، لكنه بدأ في إرساء آليات رقابية تمهد لهذا النظام.
وأكد أن الإصلاحات الجديدة تلزم المؤسسات الدوائية بالإبلاغ عن مستويات مخزونها والإشعار المبكر بأي نقص مرتقب، مع فرض عقوبات على المخالفين، موضحًا أن الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية (AMMPS) ستكون الجهة المسؤولة عن تفعيل هذا النظام.
وفي ما يتعلق بالسيادة الدوائية، شدد على وجود إرادة سياسية واقتصادية لتوطين إنتاج الأدوية والمواد الفعالة الأساسية داخل المغرب، معتبراً أن التصنيع المحلي يمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأمن الصحي وتقليص الاعتماد على الواردات.
وأشار إلى أن بلوغ المغرب المستوى الثالث من أداة التقييم العالمية (GBT-ML3) التابعة لمنظمة الصحة العالمية سيعزز مطابقة المنظومة الدوائية للمعايير الدولية ويفتح المجال أمام توسيع صادرات الصناعات الدوائية المغربية.
وبخصوص أداء الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية، أوضح أن انتقال الاختصاصات من مديرية الأدوية إلى الوكالة رافقته صعوبات، بعد رفض معظم موظفي المديرية السابقة الالتحاق بالوكالة، قبل أن يتم تعويضهم بتوظيف صيادلة وأطباء ومهندسين وأطر شابة، ما منح المؤسسة دينامية جديدة.
واعتبر أن النتائج الأولية لهذا التحول بدأت تظهر، رغم أن بلوغ النضج الكامل للموارد البشرية سيستغرق بين 3 و5 سنوات، مؤكداً أن اعتماد الوكالة على إجراءات أكثر شفافية واستقلالية يمثل قطيعة مع الممارسات البيروقراطية السابقة ويعزز حكامة القطاع الدوائي بالمغرب.