اقتصادكم
يدخل الاستثمار في رأس المال الخاص بالمغرب مرحلة مفصلية، مع اعتراف دولي غير مسبوق بمكانته داخل إفريقيا.
هذا التحول لا يعكس فقط جاذبية السوق، بل يطرح رهانات جديدة تتجاوز تدفق الرساميل نحو بناء قيمة حقيقية ومستدامة.
وذلك ما نقله موقع "نورت أفريكا بوست" عن شركة Forvis Mazars، مبرزًا أن تقريرا عالميا مرجعيا وضع المغرب، إلى جانب جنوب إفريقيا وكينيا، ضمن ثلاثة بلدان إفريقية فقط جرى ذكرها كوجهات مفضلة لاستثمارات رأس المال الخاص، في سابقة تؤشر على نضج المنظومة الوطنية.
وتابع الموقع أن هذا التقرير، الممتد على 80 صفحة والمبني على استطلاع شمل 806 مهنيين عبر العالم، يؤكد نهاية مرحلة العوائد السهلة القائمة على الرفع المالي البسيط، مقابل بروز نموذج جديد يربط خلق القيمة بالتميز التشغيلي، والتخصص القطاعي، والاستثمار طويل الأجل.
وواصل “نورت أفريكا بوست” أن أحد أبرز مؤشرات هذا التحول يتمثل في لجوء 69 في المائة من الصناديق المستجوبة إلى تمديد مدة آلياتها الاستثمارية، مقابل 54 في المائة فقط في السنة السابقة، ما يعكس ترسخ نموذج “رأس المال الصبور” بدورات استثمارية تتراوح بين ثماني وعشر سنوات.
كما ذكر التقرير عينه أن هذه التحولات تكتسي أهمية خاصة بالنسبة للمغرب، حيث تشتغل منظومة رأس المال الخاص داخل نسيج اقتصادي تهيمن عليه المقاولات العائلية والمقاولات الصغرى والمتوسطة، ما يفرض على الصناديق لعب دور يتجاوز التمويل نحو مواكبة التحول المؤسساتي والتشغيلي.
ولفت إلى أن الصناديق المحلية مطالبة اليوم بإثبات قدرتها على خلق القيمة عبر احترافية فرق التسيير، وهيكلة المساطر، وتعزيز الحكامة، إضافة إلى مرافقة المقاولات نحو التوسع الإقليمي والاندماج في سلاسل القيمة الدولية، بدل الاكتفاء بدور المستثمر المالي.
وأضاف أن التقرير حذر في المقابل من الإفراط في ما وصفه بـ“التمويلنة”، مستشهدا بتحذير أحد المستثمرين البرازيليين من أن تجريد الصفقات من أصولها الحقيقية أضعف آليات الحماية من المخاطر، وهو درس يكتسي بعدًا خاصًا في السوق المغربية.
كما أورد أن التجربة المغربية أظهرت تاريخيًا أن أنجح الصفقات في مجال رأس المال الخاص ارتبطت بأصول صناعية أو بنيوية ملموسة، وهو ما يعزز أهمية الاستثمار المرتبط بالاقتصاد الحقيقي بدل المضاربات قصيرة الأجل.
وذكر المصدر عينه أن الرهان القاري يشكل فرصة استراتيجية أمام المغرب، خاصة في ظل تموقع مدينة الدار البيضاء المالية، التي تحتضن أزيد من 200 مؤسسة مالية دولية، كمركز إقليمي مرشح للانتقال من واجهة مالية مستقرة إلى منصة مولدة للصفقات الصناعية عبر غرب ووسط إفريقيا.
وأشار إلى أن هذا الطموح يتقاطع مع التحولات القطاعية العالمية، حيث تقدم قطاع التكنولوجيا والإعلام والاتصالات لأول مرة على القطاع المالي كأكثر القطاعات جذبًا للاستثمار، وهو مسار ينسجم مع توجهات المغرب الرقمية في أفق 2030.
ويخلص التقرير إلى أن الاعتراف الدولي بمكانة المغرب في مجال رأس المال الخاص لا يمثل نهاية المسار، بل بداية مرحلة جديدة ترفع سقف التحديات، وتضع بناء القيمة المستدامة في صلب الرهان الاقتصادي الوطني والقاري.