النمو الاقتصادي.. سوء الفهم الكبير

آخر الأخبار - 26-07-2026

النمو الاقتصادي.. سوء الفهم الكبير

 

  

 

اقتصادكم

 

يسجل المغرب أداء قويا على المستوى الماكرو-اقتصادي، ويظهر قدرة على الصمود تحظى بإشادة المراقبين. غير أن هذه النتائج لا تنعكس بالشكل الكافي على الحياة اليومية لشريحة واسعة من المواطنين. ويقرّ والي بنك المغرب نفسه بوجود هذا التباين بين المؤشرات الاقتصادية وإحساس المواطنين بواقعهم المعيشي.

في تقريره السنوي المرفوع إلى جلالة الملك، والذي قدم يوم الاثنين 20 يوليوز، يسلط والي بنك المغرب، عبد اللطيف الجواهري، الضوء على ما يُعدّ دون شك أبرز تحديات المغرب اليوم، والمتمثل في اتساع الفجوة بين الأداء الاقتصادي الذي تعكسه المؤشرات الرسمية والواقع اليومي الذي يعيشه المواطنون.

وتزداد أهمية هذا التشخيص لأنه لا يشكك إطلاقا في التقدم الذي حققته المملكة، بل على العكس تماما. فالمؤشرات الماكرو-اقتصادية تعكس اقتصادا أبان عن قدرة لافتة على الصمود رغم تعاقب الأزمات الدولية، وموجات الجفاف، والتوترات الجيوسياسية. كما تتعزز التوازنات الماكرو-اقتصادية، وتتواصل الاستثمارات في البنيات التحتية، ويواصل المغرب تعزيز جاذبيته الاقتصادية.

ومع ذلك، يبدو أن هناك خللا في تحويل هذه الإنجازات الاقتصادية إلى رفاه جماعي ملموس.

ويلخص عبد اللطيف الجواهري هذا الواقع بصراحة غير معهودة، إذ قال: "خلال السنوات الأخيرة، لوحظ وجود تباين كبير بين الأداء الاقتصادي كما تقيسه المؤشرات الموضوعية وبين إحساس المواطنين به".

وتعكس هذه العبارة واقعاً تعجز الإحصاءات وحدها عن استيعابه. فقد يكون النمو الاقتصادي حقيقيا دون أن يشعر به المواطنون، وقد يرتفع الناتج الداخلي الإجمالي في الوقت الذي يتزايد فيه القلق الاجتماعي. كما قد تشيد وكالات التصنيف بصلابة الأسس الاقتصادية، بينما تواصل الأسر مواجهة تآكل قدرتها الشرائية.

لماذا هذا التباين؟

يقدم والي البنك المركزي تفسيرا واضحا، مفاده أن الحلقة الأضعف في الاقتصاد المغربي لا تزال تتمثل في سوق الشغل. فمنذ سنوات، أصبحت وتيرة خلق فرص العمل أقل مما كانت عليه في السابق، في حين يواصل كل من البطالة، والبطالة الناقصة، ولا سيما عدم النشاط، التأثير على ملايين المغاربة. ويعد الشباب الأكثر تضررا من هذا الوضع، إذ يوجد ما يقارب ثلاثة ملايين منهم خارج منظومة التعليم والتكوين وسوق العمل.

وبعبارة أخرى، فإن النمو الاقتصادي قائم، لكنه لا يحقق الإدماج الاجتماعي بالقدر الكافي. ويؤكد الجواهري أن "التشغيل، باعتباره الوسيلة الرئيسية للإدماج الاجتماعي والولوج إلى الخدمات الأساسية، ظل الحلقة الأضعف في الاقتصاد الوطني". وهنا يكمن جوهر الإشكال.

فالمواطن يقيس صحة الاقتصاد من خلال راتبه، وفرص عمله، وجودة الخدمات العمومية، وآفاق مستقبله ومستقبل أبنائه. وعندما تعرف هذه الجوانب ركودا أو تراجعا، تصبح المؤشرات الماكرو-اقتصادية الجيدة أقرب إلى أرقام مجردة لا تلامس الواقع.

ويضاف إلى ذلك عامل آخر لا يقل أهمية، وهو التفاوتات الاجتماعية. إذ يشير التقرير إلى أن مستوى استهلاك الأسر الأكثر ثراء يفوق بأكثر من سبع مرات مستوى استهلاك الأسر الأكثر تواضعا.

كما لا تزال الفوارق بين الوسطين الحضري والقروي كبيرة. ومن ثم، قد تشعر فئات واسعة من السكان بأن ثمار النمو تعود أساسا على مناطق معينة، أو قطاعات محددة، أو فئات اجتماعية بعينها.

وبذلك، يصبح الإحساس العام مؤشرا سياسيا بقدر ما هو اقتصادي. ولهذا السبب، لا يكتفي الجواهري بتشخيص الوضع، بل يشدد على ضرورة «مواصلة تحسين وتيرة النمو، والأهم من ذلك، ضمان توزيع أفضل لعوائده». وهنا تكمن القضية الأساسية.

فالنمو الاقتصادي ينبغي أن يصبح أكثر قدرة على خلق فرص الشغل، وأكثر شمولا، وأكثر عدالة على المستويين المجالي والاجتماعي. وإلا فإن الفجوة بين المؤشرات الاقتصادية وإدراك المواطنين لها ستواصل الاتساع.

وكما يقول الجواهري: "يكمن التحدي اليوم في الحرص المستمر على توفير الشروط الضرورية لضمان استدامة هذه المكتسبات، وتسريع وتيرتها، وتحقيق توزيع أفضل لعوائدها".

وهذه نقطة بالغة الأهمية، إذ لا يتعلق الأمر بالاختيار بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، بل بضمان أن يقود الأول فعلا إلى تحقيق الثانية.

والمغرب ليس حالة استثنائية في هذا الصدد، فالكثير من الاقتصادات تواجه الإشكال نفسه، حيث تتحسن المؤشرات الاقتصادية في الوقت الذي يتزايد فيه التشاؤم داخل الرأي العام. وقد بات الاقتصاديون يتحدثون عن ما يُعرف بـ"عجز الإدراك"، أو "فجوة الإدراك".

وتكمن أهمية تقرير بنك المغرب في اعترافه بهذه الحقيقة بشكل صريح، دون مواربة. فهو يدعو إلى تجاوز الاكتفاء بالأرقام الإيجابية، والانتقال إلى تقييم أثرها الحقيقي في الحياة اليومية للمواطنين.

وخلاصة القول، إن الأداء الاقتصادي القوي يمثل شرطا أساسيا لتحقيق التنمية، لكنه لم يعد كافيا بمفرده. فالمعيار الحقيقي للنجاح مستقبلا سيكون مدى قدرة المغرب على تقليص الفجوة بين المؤشرات والإحصاءات الاقتصادية وبين الواقع المعيشي للمواطنين.