من "العرام بدرهم" إلى 10 دراهم للحبة.. كيف تحولت "الهندية" إلى فاكهة باهظة الثمن؟

الاقتصاد الوطني - 17-07-2026

من "العرام بدرهم" إلى 10 دراهم للحبة.. كيف تحولت "الهندية" إلى فاكهة باهظة الثمن؟

 

اقتصادكم- عبد الصمد واحمودو 

في زمن ليس ببعيد، وتحديدا خلال فصل الصيف بأجوائه الحارة، كنا نقصد الأسواق الأسبوعية لا بغرض التسوق أو ممارسة التجارة، فصغر سننا لم يكن يسمح لنا بتحمل تلك المسؤوليات، كما أن الدراهم القليلة التي كانت في جيوبنا لم تكن تكفي سوى لوجبة غذاء بسيطة، أو كأس عصير برتقال، أو قطعة مثلجات تخفف عنا حرارة الطقس وزحام السوق. لذلك، كانت زيارتنا للسوق الأسبوعي مناسبة لتغيير الأجواء والاستمتاع بما يحمله من تفاصيل وثقافة شعبية متجذرة.

وبين خيام التجار، ودروب السوق، والمقاهي الشعبية، وأصوات الباعة، كانت الفواكه الموسمية تملأ المكان المخصص للخضر والفواكه، غير أن فاكهة واحدة كانت تتميز عن غيرها بوفرتها الكبيرة ورخص ثمنها، حتى إنها لم تكن تقتصر على فضاء بيع الخضر والفواكه، بل كانت معروضة في أكثر من ركن داخل السوق.

إنها فاكهة "الكرموس الهندي" أو "الهندية" كما يسميها المغاربة، والتي كانت تباع آنذاك بـ"العرام"، حيث يضم الواحد منه ما بين خمس وسبع حبات بدرهم واحد في بداية الموسم، بينما كانت في ذروة الإنتاج تباع بـ"السلة"، أو يحدد المشتري بنفسه الكمية التي يريدها مقابل مبلغ زهيد، نظرا لوفرتها الكبيرة.

لم تكن هذه الفاكهة تكلف أصحابها استثمارات كبيرة أو مصاريف إنتاج مرتفعة، إذ كانت أشجار الصبار منتشرة في مختلف مناطق المملكة، تنتج كميات وفيرة تجعل "الهندية" في متناول الجميع، بل إن الكثيرين كانوا يقطفونها مباشرة من الأشجار ويستهلكونها دون مقابل.

غير أن هذا المشهد تغير بشكل جذري خلال السنوات الأخيرة، بعدما تعرضت أشجار الصبار لغزو الحشرة القرمزية، التي أتت على مساحات واسعة منها في مختلف جهات المملكة، فتراجع الإنتاج بشكل كبير، واختفت "الهندية" من الأسواق التقليدية التي كانت تغص بها.

واليوم، تحولت هذه الفاكهة الشعبية إلى منتج نادر، يباع في الأسواق الممتازة داخل علب أنيقة وبالكيلوغرام، وبأسعار لم تعد في متناول الفئات التي اعتادت استهلاكها. وحتى عندما تظهر على العربات أو في الأسواق الشعبية، فإن أثمنتها أصبحت تثير دهشة المتسوقين، الذين يقفون أمامها مستحضرين زمنا كانت فيه هذه الفاكهة متاحة بالمجان أو تباع بأبخس الأثمان.

هكذا، انتقلت "الهندية" في ظرف سنوات قليلة من فاكهة شعبية يفيض بها السوق إلى منتج نادر يحمل قيمة اقتصادية مرتفعة، في مشهد يجسد كيف يمكن لعوامل طبيعية وبيئية أن تغير مكانة منتج ظل لعقود جزءا من الحياة اليومية للمغاربة.


أسباب التراجع 

في هذا السياق أكد عبد الرزاق الشابي رئيس جمعية سوق الجملة للخضر و الفواكه بالدار البيضاء، أن التين الشوكي، المعروف أيضا بـ”الهندية” أو “كرموس النصارى”، عرف خلال السنوات الأخيرة تراجعا غير مسبوق في الإنتاج بسبب انتشار الحشرة القرمزية، ما أدى إلى اختفائه من الأسواق في فترات عديدة وانخفاض الكميات المعروضة بشكل كبير.

وأوضح الشابي في تصريح لـ"اقتصادكم"، أن هذا التراجع دفع المغرب إلى استيراد التين الشوكي من إسبانيا وإيطاليا وفرنسا خلال العامين الماضيين، غير أن المنتوج المستورد ظل يباع بأسعار مرتفعة، حيث تراوح ثمن الحبة الواحدة بين 7 و10 دراهم، وهو ما جعل اقتناءه خارج متناول عدد كبير من المستهلكين.

وأضاف أن الفلاحين باشروا خلال السنوات الأخيرة إعادة غرس مساحات جديدة بأصناف مقاومة للحشرة القرمزية، إلى جانب توسيع زراعة التين الشوكي في مناطق جديدة، غير أن هذه المغروسات لم تبلغ بعد مرحلة الإنتاج الكامل، باعتبار أن النبتة تحتاج إلى عدة سنوات قبل أن تصل إلى ذروة مردوديتها.

توقعات بارتفاع إنتاج "الهندية"

وأشار المهني، إلى أن الموسم الحالي يبشر بتحسن في الإنتاج مقارنة بالسنوات الماضية، بفضل اتساع المساحات المزروعة، متوقعا أن ترتفع الكميات المعروضة تدريجيا خلال الأسابيع المقبلة.

وبخصوص الأسعار، أكد أن التين الشوكي لم يبلغ بعد ذروة إنتاجه، التي تكون عادة في منتصف شهر غشت، وهو ما يفسر استمرار الأسعار في مستويات مرتفعة نسبيا خلال هذه الفترة.

وأوضح أن أسعار الصناديق تختلف بحسب الجودة والمنطقة المنتجة، إذ تتراوح حاليا بين 400 و1,200 درهم للصندوق، مشيرا إلى أن جودة المنتوج، من حيث الحجم والطعم وخلوه من العيوب، تظل العامل الأساسي في تحديد السعر، إلى جانب اختلاف مناطق الإنتاج بين الرحامنة ودكالة وتيزنيت وسوس والأقاليم الجنوبية.

وشدد على أن قانون العرض والطلب يبقى المحدد الرئيسي للأسعار، موضحا أن الطلب على التين الشوكي لا يزال يفوق العرض بشكل واضح، وهو ما يحافظ على ارتفاع الأثمان، معرباً عن أمله في أن يؤدي ارتفاع الإنتاج خلال ذروة الموسم إلى تراجع الأسعار بشكل تدريجي.

كما لفت رئيس جمعية سوق الجملة للخضر و الفواكه بالدار البيضاء، إلى أن الأسعار المتداولة خارج أسواق الجملة تكون في الغالب أعلى من الأسعار الحقيقية، بسبب تكاليف النقل والتوزيع، إضافة إلى صعوبة جني التين الشوكي وتنقيته وتجهيزه للبيع، وهي عوامل ترفع من كلفة تسويقه مقارنة بعدد من الفواكه الأخرى.