اقتصادكم - أسامة الداودي
حمل الخطاب الملكي السامي بمناسبة الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش حضورا لافتا للقضايا الاقتصادية، واضعاً الصناعة والاستثمار والسيادة الاقتصادية والتمويل في صلب الرؤية التنموية للمملكة خلال المرحلة المقبلة.
وبينما استعرض الملك أبرز المؤشرات الاقتصادية والإنجازات المحققة، رسم أيضا ملامح أولويات جديدة ترتبط بتعزيز القاعدة الصناعية، وتوسيع التمويل المنتج، وترسيخ مكانة المغرب ضمن سلاسل القيمة العالمية.
ولتفكيك الرسائل الاقتصادية التي تضمنها الخطاب واستقراء دلالاتها، أجر موقع “اقتصادكم” هذا الحوار مع الأستاذ الباحث بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية التابعة لجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، ومدير المختبر متعدد التخصصات للبحث في الاقتصاد والمالية وتدبير المنظمات، عبد الرزاق الهيري، الذي يقدم قراءة في أبرز الرهانات التي طرحها الخطاب، وانعكاساتها على مستقبل النمو والاستثمار والتنافسية الاقتصادية للمغرب.
وفي ما يلي مص الحوار كاملاً:
هيمن الشق الاقتصادي على الخطاب الملكي بشكل غير مسبوق، من خلال التركيز على الصناعة والاستثمار والسيادة الاقتصادية. برأيكم، ما الرسالة الأساسية التي أراد الملك توجيهها من خلال جعل الاقتصاد محور الخطاب، وهل نحن أمام مرحلة جديدة في النموذج التنموي للمغرب؟
الرسالة الأساسية التي أراد جلالة الملك توجيهها هي أن الاقتصاد أصبح اليوم في صلب مفهوم السيادة الوطنية، ولم يعد مجرد مجال تقني مرتبط بالنمو أو بتحسين المؤشرات المالية.
فالخطاب ربط بصورة واضحة بين الاستقرار السياسي والمؤسساتي، وقوة الصناعة، وجاذبية الاستثمار، وتأمين الحاجيات الأساسية، والقدرة على مواجهة الأزمات الدولية.
وبذلك، فإن الدولة القوية في السياق العالمي الراهن هي الدولة القادرة على الإنتاج، وتنويع مواردها، وحماية سلاسل توريدها، وتمويل مشاريعها اعتماداً بدرجة أكبر على إمكاناتها الوطنية.
كما يحمل الخطاب رسالة مفادها أن المغرب انتقل من مرحلة تأسيس البنيات التحتية وجذب الاستثمارات إلى مرحلة أكثر تقدماً، عنوانها توطين الصناعات الاستراتيجية والرفع من القيمة المضافة.
فالحديث عن صناعة السيارات والطيران والبطاريات الكهربائية والهيدروجين الأخضر والصناعات الدوائية والغذائية والدفاعية والأمن السيبراني يعكس توجهاً نحو بناء قاعدة صناعية وتكنولوجية متكاملة، لا تكتفي بالتجميع والتصدير، بل تسعى إلى التحكم التدريجي في حلقات أكثر تطوراً داخل سلاسل القيمة العالمية.
ومن هذه الزاوية، يمكن القول إننا أمام مرحلة جديدة في النموذج التنموي المغربي، مرحلة تنتقل من منطق جذب الاستثمار إلى منطق الاستثمار المنتج والمولد للسيادة، ومن التركيز على حجم النمو إلى الاهتمام بجودته وقدرته على خلق فرص الشغل وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
كما أن دعوة القطاع المالي إلى توسيع تمويل المقاولات الصغيرة والمتوسطة والابتكار والتصنيع والتصدير تؤكد أن نجاح هذه المرحلة لن يكون مسؤولية الدولة وحدها، بل يتطلب انخراط البنوك والمستثمرين والمقاولات الوطنية ومؤسسات الادخار.
لذلك، فالخطاب لا يقدم فقط حصيلة اقتصادية، بل يرسم معالم دورة تنموية جديدة تقوم على ثلاث مرتكزات مترابطة: تحصين المكتسبات، وتعزيز السيادة الاقتصادية، وتحويل القوة الصناعية والاستثمارية إلى تنمية اجتماعية ومجالية ملموسة. والرهان الحقيقي مستقبلاً هو أن تنعكس هذه الدينامية على دخل المواطنين، وجودة فرص الشغل، وتنافسية المقاولات الوطنية، وقدرة مختلف الجهات على الاستفادة من مسار المغرب الصاعد.
أكد الخطاب أن صادرات السيارات والطيران أصبحت تمثل أكثر من 40% من إجمالي الصادرات، مع إطلاق مشاريع في البطاريات والهيدروجين الأخضر والصناعات الدفاعية. إلى أي حد تعكس هذه المؤشرات انتقال المغرب إلى اقتصاد صناعي ذي قيمة مضافة عالية، وما أثر ذلك على تنافسيته الإقليمية والدولية؟
هذه المؤشرات تعكس انتقالاً واضحا للمغرب من اقتصاد يعتمد أساساً على تصدير المواد الأولية والمنتجات محدودة التحويل، إلى اقتصاد صناعي أكثر تنوعاً واندماجاً في سلاسل القيمة العالمية. فتجاوز صادرات السيارات والطيران نسبة 40% من إجمالي الصادرات، وتقدمها على الفوسفاط، يدل على حدوث تحول هيكلي في التركيبة التصديرية، وعلى بروز قطاعات تتطلب استثمارات كبيرة، وكفاءات تقنية، ومعايير جودة دولية، وشبكات متطورة من المناولة والخدمات اللوجستيكية.
كما أن إطلاق مشاريع البطاريات الكهربائية والهيدروجين الأخضر والصناعات الدفاعية يؤكد أن المغرب لا يراهن فقط على الصناعات القائمة، بل يعمل على التموقع المبكر في قطاعات المستقبل. وهذه المشاريع يمكن أن ترفع القيمة المضافة الوطنية، لأنها تربط بين الموارد الطبيعية والطاقة المتجددة والتصنيع والتكنولوجيا.
كما تتيح للمغرب الاستفادة من التحول العالمي نحو إزالة الكربون، وإعادة توطين الصناعات، وتنويع سلاسل التوريد بعيداً عن مناطق التوتر الجيوسياسي.
وعلى مستوى التنافسية الإقليمية والدولية، تعزز هذه الدينامية مكانة المغرب باعتباره منصة صناعية ولوجستيكية تربط إفريقيا بأوروبا والأسواق العالمية. فوجود منظومات متكاملة في السيارات والطيران والطاقات النظيفة يرفع جاذبية المملكة للاستثمارات الوطنية والأجنبية، ويشجع الشركات العالمية على توطين وحدات إنتاج جديدة، كما يدعم قدرة المقاولات المغربية على الاندماج في شبكات التوريد الدولية. ويمنح إنتاج الطاقة الخضراء للمغرب ميزة إضافية أمام الصناعات التي أصبحت مطالبة بتخفيض بصمتها الكربونية.
غير أن ارتفاع الصادرات الصناعية لا يكفي وحده للجزم بأن الاقتصاد انتقل بصورة كاملة إلى القيمة المضافة العالية.
فالمعيار الحقيقي هو نسبة الإدماج المحلي، وحصة المكونات المصنعة داخل المغرب، ومستوى البحث والابتكار، ونقل التكنولوجيا، وعدد الموردين الوطنيين، ونوعية فرص الشغل المحدثة.
لذلك، يتمثل التحدي المقبل في الانتقال من موقع منصة للتجميع والإنتاج التصديري إلى قوة صناعية وتكنولوجية تنتج المعرفة والمكونات الأساسية، وتحتفظ بحصة أكبر من القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني.
وبناءً على ذلك، يمكن القول إن المغرب قطع مرحلة متقدمة في بناء اقتصاد صناعي تنافسي، لكن ترسيخ هذه المكانة يتطلب تقوية الرأسمال البشري، ودعم البحث العلمي، وتوسيع تمويل المقاولات الوطنية، وربط الاستثمارات الأجنبية بنقل التكنولوجيا والإدماج المحلي.
بذلك فقط يمكن تحويل التفوق التصديري الحالي إلى سيادة صناعية مستدامة وموقع أقوى للمغرب في المنافسة الإقليمية والدولية.
دعا الملك القطاع المالي إلى تعبئة الادخار الوطني، وتوسيع التمويل الموجه للمقاولات الصغيرة والمتوسطة والابتكار والتصدير. ما الذي تعنيه هذه الرسالة اقتصاديا؟ وهل يمتلك القطاع المالي اليوم الأدوات الكافية لمواكبة هذه المرحلة؟
هذه الدعوة تحمل رسالة اقتصادية واضحة مفادها أن المرحلة الجديدة من التنمية لا يمكن تمويلها بالاعتماد الحصري على الميزانية العامة أو على الاستثمارات الأجنبية، بل تتطلب تحويل الادخار الوطني إلى استثمار منتج.
فجزء مهم من المدخرات يظل موجهاً نحو الودائع أو الأصول قليلة المخاطر، بينما تحتاج مشاريع التصنيع والابتكار والتصدير إلى رساميل طويلة الأجل تتحمل المخاطر وتواكب المقاولة منذ التأسيس إلى التوسع الدولي.
ومن ثم، فالقطاع المالي مدعو إلى الانتقال من منطق تمويل الاستهلاك والضمانات التقليدية إلى منطق تمويل المشروع وجدواه وقيمته التكنولوجية والتصديرية.
كما تعني الرسالة ضرورة إعادة توجيه التمويل نحو المقاولات الصغيرة والمتوسطة، لأنها تمثل الحلقة الأساسية في رفع الإدماج الصناعي وخلق فرص الشغل.
وقد بلغت حصتها نحو 40% من مجموع القروض الموجهة إلى المقاولات سنة 2024، غير أنها ما تزال تتحمل تكلفة تمويل أعلى من المقاولات الكبرى؛ إذ بلغ متوسط أسعار القروض الجديدة في الفصل الأول من 2025 نحو 5,61% للمقاولات الصغيرة جداً والمتوسطة مقابل 4,96% للمقاولات الكبرى.
وهذا يكشف أن المشكلة ليست فقط في حجم السيولة المتاحة، وإنما أيضاً في شروط الولوج إلى التمويل والضمانات وتقييم المخاطر.
أما بخصوص توفر الأدوات، فيمكن القول إن المغرب يمتلك اليوم بنية مالية متنوعة من الناحية المؤسساتية: البنوك وشركات التمويل، وآليات الضمان والمشاركة في المخاطر، وصناديق الاستثمار في الرأسمال، والسوق البديلة في بورصة الدار البيضاء، إضافة إلى التمويل التعاوني.
فالسوق البديلة تتيح للمقاولات الصغيرة والمتوسطة الولوج إلى البورصة ابتداءً من تعبئة خمسة ملايين درهم وبشروط إدراج مبسطة، كما تسمح هيئات الاستثمار في الرأسمال بتمويل المقاولات غير المدرجة من خلال المساهمة في رأسمالها أو اقتناء ديونها القابلة للتحويل. ودخل الإطار التنظيمي للتمويل التعاوني حيز التنفيذ، موفراً إمكانات التمويل عن طريق القرض أو التبرع أو الاستثمار.
لكن توفر الأدوات قانونياً لا يعني أنها تُستخدم بالحجم والفعالية اللازمين. فالتمويل ما يزال متركزاً بدرجة كبيرة حول القرض البنكي التقليدي، في حين يظل استعمال البورصة والرأسمال الاستثماري والتمويل التعاوني محدوداً بالنسبة إلى عدد كبير من المقاولات.
كما أن تمويل الابتكار يواجه صعوبة خاصة، لأن المشروع المبتكر لا يتوفر دائماً على أصول مادية يمكن تقديمها كضمان، بينما يصعب على البنوك التقليدية تقييم التكنولوجيا والملكية الفكرية والمخاطر التجارية المستقبلية.
وبالتالي، فالقطاع المالي يمتلك جزءا مهماً من الأدوات، لكنه يحتاج إلى نقلة نوعية في طريقة تشغيلها.
والمطلوب هو بناء سلسلة تمويل متكاملة تجمع بين القرض والضمان والرأسمال الاستثماري والتمويل البورصي، مع تطوير صناديق متخصصة في الابتكار والتصنيع والتصدير، وتشجيع المستثمرين المؤسساتيين على تمويل المشاريع طويلة الأجل. فالرسالة الملكية تدعو، في جوهرها، إلى انتقال القطاع المالي من دور الوسيط الذي يحافظ على الادخار إلى دور الشريك الذي يحوله إلى إنتاج وتكنولوجيا وصادرات وفرص شغل.