عجز يناير بين ظرفية التحصيل وضغط فوائد الدين.. هل يقلق مسار المالية العمومية؟

الاقتصاد الوطني - 27-02-2026

عجز يناير بين ظرفية التحصيل وضغط فوائد الدين.. هل يقلق مسار المالية العمومية؟

اقتصادكم - نهاد بجاج


سجلت وضعية تحملات وموارد الخزينة وفق الوثيقة الشهرية الصادرة عن وزارة الاقتصاد والمالية، عجزا ماليا بلغ 9,6 مليار درهم عند متم يناير 2026، مقابل 6,9 مليار درهم خلال الفترة ذاتها من السنة الماضية.

هذا التطور يعكس، حسب المعطيات الرسمية، تراجعا في المداخيل بـ2,7 مليار درهم، مقابل ارتفاع طفيف في النفقات في حدود 70 مليون درهم، وهو ما يطرح تساؤلات حول طبيعة هذا العجز: هل هو مؤشر مقلق على تدهور التوازنات، أم أنه وضع ظرفي مرتبط ببداية السنة المالية؟


اعتبر يوسف كراوي الفيلالي، رئيس المركز المغربي للحكامة والتسيير، أن تسجيل عجز بـ9,6 مليار درهم خلال شهر يناير يبقى أمرا "طبيعيا" بالنظر إلى تراجع المداخيل الجبائية في بداية السنة، مؤكدا أنه لا يمكن الحكم على الطابع الهيكلي للعجز انطلاقا من شهر واحد فقط.

وأوضح الخبير، في تصريح لموقع "اقتصادكم"، أن تراجع المداخيل هو العامل الحاسم في اتساع العجز، في حين أن النفقات لم تعرف سوى ارتفاع محدود، ما يعني أن الاختلال المسجل يعود أساسا إلى جانب الموارد وليس إلى انفلات في الإنفاق.

وتظهر الوثيقة أن المداخيل الإجمالية بلغت 29,77 مليار درهم، بمعدل إنجاز يعادل 7% فقط من توقعات قانون المالية، بينما تراجعت المداخيل الضريبية بـ9,4% إلى نحو 27,9 مليار درهم في المقابل، ارتفعت المداخيل غير الضريبية بـ19% لتناهز 1,25 مليار درهم.

المداخيل الجبائية.. تراجع مرحلي أم تباطؤ اقتصادي؟

يرى كراوي، أن تراجع المداخيل الضريبية في يناير لا يعكس بالضرورة تباطؤا اقتصاديا، بل يرتبط بإيقاع التحصيل في بداية السنة، إذ تبلغ الأنشطة الاقتصادية ذروتها عادة ما بين مارس ويونيو، إضافة إلى الموسم السياحي والأنشطة الصناعية التي تتسارع خلال فترات معينة من السنة.

وبحسب هذا التصور، فإن التحصيل الجبائي مرشح للتحسن خلال الأشهر المقبلة، خاصة في ظل توقعات بنمو مرتفع وقيمة مضافة فلاحية مهمة، ما قد يساهم في رفع الموارد الضريبية وتقليص الضغط على الميزانية.

وعلى مستوى النفقات، سجلت النفقات العادية انخفاضا لافتا بـ22,4% إلى 32,7 مليار درهم، نتيجة تراجع نفقات السلع والخدمات (-23,6%) ونفقات المقاصة (-28,8%)، غير أن فوائد الدين ارتفعت بـ42,5%، ما يعكس كلفة الاقتراض خلال الفترة الأخيرة.

هذا الارتفاع في فوائد الدين، وفق كراوي، يرتبط بلجوء الدولة إلى اقتراض مهم خلال السنة الماضية لتمويل مشاريع استثمارية كبرى، من بينها مشاريع مرتبطة بالتحضير لاحتضان كأس أمم أفريقيا، إضافة إلى أوراش البنيات التحتية والطرقية والرياضية.

ويؤكد أن ارتفاع فوائد الدين ينعكس مباشرة على عجز الميزانية بحكم إدراجها ضمن النفقات، ما يفرض الحفاظ على مستوى قوي من التحصيل الضريبي لضمان تمويل نفقات التسيير، خصوصا كتلة الأجور، وتمويل الاستثمار في الآن نفسه.

الاستثمار.. بين الإشعاع الاقتصادي وضرورة إحداث الثروة

في المقابل ارتفعت نفقات الاستثمار بـ15,1% لتبلغ 15 مليار درهم، بمعدل إنجاز يعادل 13% من توقعات السنة، وهو ما يعكس استمرار التوجه نحو دعم المشاريع الكبرى.

ويرى كراوي، أن الاستثمار أصبح أولوية استراتيجية لتعزيز تنافسية المغرب وجاذبيته، لكنه يشدد على ضرورة توجيه جزء أكبر من هذه الاستثمارات نحو مشاريع منتجة للثروة ومحدثة لفرص الشغل، وليس الاكتفاء بالبنيات التحتية مهما كانت أهميتها.

ما السيناريوهات لبقية السنة؟

رغم اتساع العجز في يناير، يستبعد الخبير وجود خطر انفلات في التوازنات، معتبرا أن هناك سياسة تحكم في مستوى العجز، وأن الدين سيظل في مستويات يمكن السيطرة عليها، خاصة بعد الاقتراض القوي الذي تم خلال 2025، ويتوقع أن تعمل الحكومة خلال 2026 على تقليص وتيرة الاقتراض، مع الرهان على تحصيل ضريبي قوي لتغطية النفقات والحفاظ على عجز في مستويات متحكم فيها.