اقتصادكم-حنان الزيتوني
كشف أمين سامي، الخبير والمستشار الدولي في التخطيط الاستراتيجي وقيادة التغيير، أن محدودية انتشار العمل عن بعد في المغرب تعكس طبيعة الاقتصاد الوطني، الذي لا يزال يعتمد بشكل كبير على الحضور الفعلي داخل أماكن العمل، أكثر من اعتماده على ثقافة الإنجاز وقياس الأداء بالنتائج، موضحا أن الأرقام الأخيرة الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط تؤكد استمرار هيمنة نموذج التدبير التقليدي، القائم على المراقبة المباشرة، بدل استثمار الإمكانات التي تتيحها الرقمنة وأساليب العمل الحديثة.
بنية الاقتصاد المغربي
وأضاف سامي، في اتصال مع موقع "اقتصادكم"، أن نسبة 6.8 في المائة التي كشفت عنها المندوبية السامية للتخطيط لا تعكس واقع العمل عن بعد بشكل دقيق، لأنها تضم أيضا العاملين من داخل مساكنهم، وأصحاب الأنشطة العائلية والمهن القروية، وهو ما يجعل المؤشر أوسع من مفهوم العمل عن بعد بالمفهوم المتعارف عليه دوليا.
واعتبر الخبير أن ضعف انتشار هذا النمط من العمل يرتبط في المقام الأول ببنية الاقتصاد المغربي، حيث تتركز نسبة كبيرة من فرص الشغل في قطاعات تتطلب الحضور الميداني، مثل الصناعة والتجارة والفلاحة والبناء والخدمات المباشرة، إلى جانب التعليم والصحة والإدارة، وهي أنشطة يصعب نقلها إلى الفضاء الرقمي بشكل كامل.
ثقافة التسيير
وأشار سامي إلى أن ثقافة التسيير داخل عدد من المؤسسات لا تزال تشكل عائقا أمام تعميم العمل عن بعد، موضحا أن العديد من المسؤولين يربطون الإنتاجية بعدد ساعات الحضور داخل المكتب، وليس بالأهداف المحققة أو النتائج المنجزة، وهو ما يحد من فرص اعتماد أنماط عمل أكثر مرونة.
وسجل المتحدث ذاته أن غياب إطار قانوني متكامل يزيد من تعقيد الوضع، إذ ما تزال عدة قضايا مرتبطة بالعمل عن بعد تحتاج إلى تنظيم واضح، من بينها ساعات العمل، والتعويضات، والحوادث المهنية، وحماية المعطيات الشخصية، والأمن السيبراني، وآليات تقييم الأداء، فضلا عن تكريس الحق في الانفصال بعد انتهاء الدوام.
وفي السياق نفسه، أكد سامي أن ضعف رقمنة المساطر الإدارية يشكل بدوره عائقا أساسيا، لأن استمرار الاعتماد على الوثائق الورقية والتوقيع اليدوي والحضور الإجباري لإنجاز الإجراءات يجعل العمل عن بعد خيارا محدود الفعالية.
مستقبل سوق الشغل
ووفق معطيات المندوبية السامية للتخطيط، فإن 6.8 في المائة فقط من النشطين المشتغلين، البالغين من العمر 15 سنة فما فوق، صرحوا خلال الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 بأنهم لا يتنقلون يوميا إلى أماكن عملهم، سواء بسبب مزاولة نشاطهم من محل الإقامة أو اعتمادهم العمل عن بعد أو ممارسة أنشطة مهنية داخل السكن.
وأكد سامي على أن مستقبل سوق الشغل في المغرب لا يكمن في تعميم العمل عن بعد، وإنما في تبني نموذج هجين يجمع بين الحضور والعمل الرقمي، مع تسريع رقمنة الخدمات، واعتماد تقييم الأداء على النتائج، بما يساهم في رفع الإنتاجية وتحقيق توازن أفضل بين متطلبات العمل وجودة الحياة.