اقتصادكم- عبد الصمد واحمودو
مع حلول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، يتزايد خطر اندلاع حرائق الغابات والمناطق الفلاحية، وهو ما تجسد في تسجيل عدد من الحرائق بمناطق مختلفة من المملكة خلال الأيام الأولى من الموسم الصيفي.
ولا تقتصر تداعيات حرائق الغابات على الجانب البيئي فقط، إذ لا تلتهم ألسنة اللهب الأشجار والغطاء النباتي فحسب، بل تمتد آثارها إلى الاقتصاد الوطني، في ظل التكاليف الباهظة التي تتحملها الدولة للسيطرة على الحرائق وإخمادها، وتسخير الموارد البشرية واللوجستية والتجهيزات المتطورة، فضلا عن كلفة إعادة تأهيل المناطق المتضررة وتعويض الخسائر الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عنها.
وفي هذا السياق أكد عبد الحكيم الفلالي أستاذ علم المناخ بجامعة الحسن الثاني الدار البيضاء - كلية الآداب والعلوم الإنسانية عين الشق، في تصريح لـ "اقتصادكم"، أن تقدير الكلفة الاقتصادية لحرائق الغابات يظل مسألة بالغة التعقيد، مشيرا إلى أنه من الصعب على أي مركز بحث تقديم رقم دقيق، نظرا لتعدد أوجه الخسائر المباشرة وغير المباشرة التي تخلفها هذه الحرائق.
وأوضح أن الخسائر المباشرة تشمل فقدان الأشجار والغطاء النباتي والنباتات العطرية والمواشي، فيما تمتد الخسائر غير المباشرة إلى تكاليف تدخل الموارد البشرية، واستعمال التجهيزات المتطورة، وعلى رأسها طائرات "كانادير" التي تتطلب كلفة تشغيل مرتفعة، فضلا عن النفقات المرتبطة بعمليات إعادة تأهيل المناطق المتضررة بعد إخماد الحرائق.
وأضاف الفيلالي، أن الحرائق تؤدي أيضا إلى خسائر بيئية واقتصادية بعيدة المدى، من بينها انجراف التربة نتيجة فقدان الغطاء النباتي، وتراجع الأنشطة السياحية بالمجالات القروية التي تعتمد بشكل كبير على الغابات، وهو ما ينعكس سلبا على فرص الشغل ومصادر دخل السكان المحليين الذين يعتمدون على الموارد الغابوية في معيشتهم.
كما أشار الأستاذ المتخصص في علم المناخ، إلى أن الغابات تمثل خزانات طبيعية للكربون، وأن تدميرها يفاقم تحديات التغير المناخي ويؤدي إلى تراجع التنوع البيولوجي، معتبرا أن الآثار غير المباشرة لحرائق الغابات كبيرة جدا ويصعب حصرها أو تقديرها بدقة، لارتباطها بعوامل متعددة، من بينها نوع الغابة، وطبيعة الأشجار، وما إذا كانت غابات معمرة أم حديثة النشأة.
وفي ما يتعلق بطرق التدخل، أبرز الخبير أن المغرب عزز خلال السنوات الأخيرة قدراته التقنية لمواجهة حرائق الغابات، من خلال اقتناء تجهيزات متطورة، وعلى رأسها طائرات "كانادير"، التي بلغ عددها نحو ثماني طائرات، وهو ما ساهم في تحسين سرعة وفعالية التدخل.
واستدرك أن تزامن اندلاع عدة حرائق في الوقت نفسه يفرض تحديات كبيرة أمام فرق التدخل، مهما بلغت الإمكانيات المتاحة، مشددا على أن الوقاية تظل العنصر الحاسم في الحد من هذه الظاهرة.
وأشار الفيلاي في حديثه مع "اقتصادكم"، إلى أن الدراسات تؤكد أن معظم حرائق الغابات تعود إلى عوامل بشرية، الأمر الذي يستدعي تعزيز التدابير الوقائية، إلى جانب تشديد العقوبات الزجرية في حق كل من يثبت تورطه، بشكل مباشر أو غير مباشر، في التسبب باندلاع الحرائق.
كما نوه بأهمية الإصلاحات المؤسساتية التي باشرها المغرب في هذا المجال، وفي مقدمتها إحداث الوكالة الوطنية للمياه والغابات، التي حلت محل المندوبية السامية للمياه والغابات ومحاربة التصحر، معتبرا أن هذه الخطوة عززت حكامة القطاع ورفعت من جاهزية منظومة الوقاية والتدخل.
كما أكد عبد الحكيم الفيلالي، على أن مواجهة حرائق الغابات تعتمد على تعبئة مختلف المتدخلين، مشيرا إلى أن المغرب يسخر مختلف أجهزته، بما في ذلك الوقاية المدنية والقوات الملكية الجوية، للتدخل السريع والحد من آثار هذه الكوارث وحماية الثروة الغابوية.