اقتصادكم
احتضنت الرباط أمس الاثنين أشغال الدورة الرابعة للندوة الاقتصادية الإفريقية (Africa Economic Symposium - AES)، التي ينظمها مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد (PCNS) يومي 13 و14 يوليوز الجاري، تحت شعار "تحويل التغيرات إلى نمو"، بمشاركة أكثر من 200 خبير اقتصادي وصانع قرار وأكاديمي يمثلون 40 جنسية من إفريقيا ومختلف أنحاء العالم.
وتطمح هذه الدورة إلى تعميق النقاش حول التحولات الاقتصادية التي تشهدها القارة الإفريقية، انطلاقا من رؤية تعتبر أن التغيرات الجارية يمكن أن تتحول إلى رافعة للنمو والتنمية، شريطة مواكبتها بسياسات عمومية منسقة وطموحة تستشرف المستقبل، إلى جانب تعزيز الحوار بين صناع القرار والباحثين والخبراء حول أبرز القضايا الاقتصادية المطروحة على المستوى القاري.
وأكد رياض مزور، وزير الصناعة والتجارة، في كلمة خلال الجلسة الافتتاحية، أن الثقة في القدرات الذاتية لأفريقيا، والاستثمار في البنيات التحتية، وضمان استمرارية السياسات العمومية، تمثل ركائز أساسية لتحويل الإمكانات التي تزخر بها القارة إلى فرص تنموية ملموسة.
وأوضح مزور، أن أفريقيا تتوفر على مقومات مهمة، من بينها ساكنة شابة، وكفاءات بشرية، وموارد طبيعية غنية، غير أنها لا تزال تواجه تحديات مرتبطة بالولوج إلى الكهرباء والتعليم والاستقرار، معتبرا أن بناء الثقة في القدرات الأفريقية يشكل مدخلا أساسيا لإيجاد حلول تنبع من واقع القارة وتستجيب لاحتياجاتها.
وفي استعراضه للتجربة المغربية، أبرز الوزير أن المملكة اختارت الانفتاح الاقتصادي وتعزيز المنافسة الدولية، رغم ما يرافق هذا التوجه من كلفة اجتماعية واقتصادية، مشيرا إلى أن الاستثمار العمومي في الموانئ والطرق السيارة والبنيات التحتية اللوجستية شكل قاعدة أساسية لتطوير نسيج صناعي تنافسي، وأسهم في جعل صناعة السيارات أول قطاع تصديري بالمغرب.
كما توقف عند التحولات التكنولوجية، معتبرا أن الذكاء الاصطناعي يتيح للمقاولات الصغيرة والأفراد فرصا غير مسبوقة للاستفادة من المعرفة والقدرات التقنية، داعيا إلى الاستثمار في تكوين الموارد البشرية وتطوير حلول رقمية تراعي احتياجات المجتمعات الإفريقية وقيمها.
من جانبه، شدد وامكيلي ميني، الأمين العام لمنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، على أن الاندماج الاقتصادي الإفريقي يمثل رافعة رئيسية لتعزيز تنافسية القارة وتسريع تحولها الاقتصادي، مؤكدا أن خفض الحواجز أمام التجارة والاستثمار يعد شرطا أساسيا لبناء سوق أفريقية مندمجة وتحقيق نمو مستدام.
وأوضح ميني، أن القارة لا تزال تعاني من تجزؤ اقتصادي ينعكس على مستوى سلاسل القيمة والسياسات الصناعية وأنظمة الدفع، لافتا إلى أن وجود 42 عملة أفريقية يكلف الاقتصادات الأفريقية نحو خمسة مليارات دولار سنويا بسبب محدودية قابلية تحويل العملات.
وأكد أن الإصلاحات الماكرو-اقتصادية، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها لتحقيق التحول الهيكلي المنشود، داعيا إلى تعزيز القدرات الإنتاجية، ودعم التصنيع، ورفع الإنتاجية، وتنويع الأسواق التصديرية، إلى جانب استثمار الفرص التي يتيحها الانتقال الأخضر والاقتصاد الرقمي.
وأشار في هذا السياق إلى التقدم الذي أحرزته منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، من خلال إطلاق النظام الأفريقي للدفع والتسوية بالعملات المحلية، وإحداث صندوق للتعديل يتجاوز رأسماله مليار دولار بتمويل من البنك الأفريقي للاستيراد والتصدير، فضلا عن المبادرة الأفريقية للتصنيع الأخضر التي تستهدف تعبئة استثمارات بقيمة 100 مليار دولار.
كما كشف أن المبادلات التجارية البينية الأفريقية بلغت نحو 220 مليار دولار خلال سنة 2024، بزيادة بلغت 12,4% مقارنة بالسنة السابقة، معتبرا أن هذا التطور يعكس الدينامية المتنامية للتجارة داخل القارة، رغم استمرار تحديات ترتبط بكلفة النقل واللوجستيك، وتمويل التجارة، والبنيات التحتية، وتجزؤ أنظمة الدفع.
وتتمحور أشغال الندوة حول إطلاق التقرير السنوي لمركز السياسات من أجل الجنوب الجديد حول الاقتصاد الأفريقي، الذي يعد مرجعا لرصد أبرز التوجهات الاقتصادية الكلية بالقارة ودعم صناع القرار في الحكومات والمؤسسات المالية وهيئات التنمية.
ويتضمن برنامج الدورة محورين رئيسيين، يتعلق الأول بتحديات السياسات الاقتصادية الكلية، من خلال مناقشة آثار تقلبات الأسعار وأسعار الصرف والفائدة، وإدارة الموارد الطبيعية، واستدامة المالية العمومية، فيما يركز المحور الثاني على التحولات المناخية والرقمية والاجتماعية، وسبل تحويل الموارد الطبيعية والانتقالين المناخي والطاقي إلى محركات للنمو الشامل، إضافة إلى تعبئة آليات التمويل الكفيلة بمواكبة هذه التحولات.
كما تتضمن الدورة جلسة خاصة تناقش الرهانات الاقتصادية المرتبطة باستضافة المغرب، إلى جانب إسبانيا والبرتغال، لكأس العالم لكرة القدم 2030، مع التركيز على سبل تحويل هذا الحدث العالمي إلى مكاسب اقتصادية واجتماعية مستدامة، بالاستفادة من التجارب الدولية في تدبير الأحداث الرياضية الكبرى.