اقتصادكم-حنان الزيتوني
لم تعد تكلفة الاقتراض رقما تقنيا محصورا في جداول البنوك، بل أصبحت أحد المفاتيح التي يمكن من خلالها قراءة حركة الاستثمار والاستهلاك في الاقتصاد المغربي، ومع تراجع أسعار الفائدة خلال الفترة الأخيرة، عاد الائتمان إلى الواجهة، وسط ارتفاع ملحوظ في حجم القروض، لكن الأرقام تكشف في المقابل أن العلاقة بين انخفاض الفائدة وتسارع الاقتراض ليست آلية ولا تسير بالوتيرة نفسها لدى المقاولات والأسر.
تسهيل نقدي
وفي قراءة لهذه الدينامية، يرى محمد أمين سامي، خبير اقتصادي وخبير في التخطيط الاستراتيجي وقيادة التغيير، أن تراجع أسعار الفائدة ساهم بالفعل في تشجيع الاقتراض، لكنه لا يمثل العامل الوحيد وراء ارتفاع القروض.
ويقول سامي في تصريح لموقع "اقتصادكم": "يمكن القول وحسب تقديري أن تراجع أسعار الفائدة، ساهم في تشجيع الاقتراض بصورة ملموسة، لكنه كان عاملَ تسريع لا المحرك الوحيد".
ويشير الخبير إلى أن بنك المغرب خفض سعره الرئيسي من 3 في المائة إلى 2.25 في المائة خلال الفترة الممتدة بين يونيو 2024 ومارس 2025، وهو ما انعكس، ولو بشكل جزئي، على تكلفة التمويل في السوق.
انتقال تدريجي
فقد تراجع متوسط سعر القروض الجديدة من 5.43 في المائة خلال الفصل الثاني من 2024 إلى 4.81 في المائة خلال الفصل الثاني من 2026. غير أن تطور الأسعار بين الفصلين الأول والثاني من 2026، من 4.66 في المائة إلى 4.81 في المائة، يكشف أن انتقال أثر التيسير النقدي إلى أسعار القروض لا يتم بصورة كاملة أو خطية.
وبمعنى آخر، فإن خفض سعر الفائدة الرئيسي لا ينتقل بالضرورة وبالسرعة نفسها إلى مختلف أنواع القروض، إذ تتداخل في تحديد تكلفة التمويل عوامل أخرى مرتبطة بالسوق وبطبيعة المقترض ومستوى المخاطر.
المقاولات تتقدم
ويظهر تأثير انخفاض تكلفة التمويل بشكل أوضح على مستوى المقاولات، حيث ارتفعت قروض المقاولات الخاصة غير المالية بنسبة 8.2 في المائة، مدفوعة بشكل خاص بارتفاع قروض التجهيز التي سجلت نموا قويا بلغ 15.8 في المائة.
كما ارتفعت قروض الإنعاش العقاري بنسبة 9.4 في المائة، فيما سجلت تسهيلات الخزينة نموا قدره 6.7 في المائة. وتكشف هذه الأرقام عن توجه نسبي نحو تمويل الاستثمار والحاجيات المرتبطة بالنشاط الاقتصادي، أكثر من مجرد تمويل الاستهلاك.
وفي المقابل، ظلت استجابة الأسر لانخفاض أسعار الفائدة أكثر محدودية، إذ لم تتجاوز وتيرة نمو القروض الموجهة إليها 3.4 في المائة، موزعة بين ارتفاع بنسبة 2.7 في المائة لقروض السكن و4.6 في المائة لقروض الاستهلاك.
ويعزز هذا التفاوت بين المقاولات والأسر فكرة أن قرار الاقتراض لا يرتبط فقط بمستوى أسعار الفائدة، بل يتأثر أيضا بالثقة في المستقبل، والدخل، والقدرة على السداد، والاحتياجات الاستثمارية والاستهلاكية.
طلب متباين
وتؤكد معطيات الطلب هذه الصورة، إذ أفادت البنوك بارتفاع طلب المقاولات على مختلف أصناف التمويل، في حين سجل طلب الأسر على قروض السكن تراجعا طفيفا، بينما ظل طلبها على قروض الاستهلاك شبه مستقر، رغم تليين شروط منح التمويلات.
ويرى سامي أن هذه المعطيات تقود إلى خلاصة واضحة، مفادها أن خفض أسعار الفائدة حفز الاستثمار المنتج بشكل أكبر من تحفيزه للاستهلاك أو اقتناء السكن.
وبحسب الخبير الاقتصادي، فإن تأثير انخفاض الفائدة كان متوسطاً على المستوى الإجمالي، وقوياً نسبياً في تمويل تجهيز المقاولات، لكنه ظل محدوداً لدى الأسر.
ويفسر ذلك بكون قرار الاقتراض لا تحدده الفائدة وحدها، بل تتدخل فيه مجموعة من العوامل، من بينها مستوى الدخل والقدرة الشرائية، والضمانات المطلوبة، ومخاطر سوق الشغل، وأسعار العقار، فضلاً عن دورة الاستثمار العمومي والخاص.
قراءة حذرة
وعليه، يحذر سامي من اختزال الدينامية الحالية للقروض في عامل واحد، معتبرا أنه سيكون من المبالغة نسب الارتفاع الإجمالي للقروض، البالغ 10.9 في المائة، إلى خفض أسعار الفائدة وحده.
فالسياسة النقدية ساهمت في تخفيف تكلفة التمويل ودفعت عجلة الائتمان إلى الأمام، لكنها لم تكن المحرك الوحيد. وتظل قوة الطلب على القروض رهينة بتفاعل أسعار الفائدة مع قدرة الشركات على الاستثمار، ووضعية الأسر المالية، وآفاق النشاط الاقتصادي، وهي عوامل تحدد في النهاية مدى انتقال التيسير النقدي من قرارات بنك المغرب إلى الاقتصاد الحقيقي.