الائتمان البنكي يتسارع.. هل دخل المغرب دورة استثمار جديدة؟ خبير يوضح

الاقتصاد الوطني - 02-09-2026

الائتمان البنكي يتسارع.. هل دخل المغرب دورة استثمار جديدة؟ خبير يوضح

اقتصادكم-حنان الزيتوني

 

بينما تتجه الأنظار عادة إلى حجم القروض باعتباره مؤشرا على نشاط الأبناك، تكشف أرقام بنك المغرب هذه المرة عن شيء أبعد من مجرد ارتفاع في التمويلات، فخلف نمو الائتمان الموجه للاقتصاد الوطني، تبرز شهية متزايدة لدى المقاولات للاستثمار والتجهيز، بالتزامن مع تسارع الإنفاق العمومي وتوسع عدد من القطاعات الصناعية والتصديرية. دينامية تجعل البنوك أمام طلب جديد على التمويل، وتضع الاقتصاد المغربي أمام اختبار مهم: هل يتحول هذا الزخم الائتماني إلى دورة استثمارية قادرة على إنتاج نمو أكثر استدامة

وفي هذا السياق، أكد عبد الرزاق الهيري، مدير المختبر المتعدد التخصصات في الاقتصاد والمالية وتدبير المنظمات، في اتصال مع موقع "اقتصادكم"، أن "التوزيع يظهر بأننا لسنا فقط أمام توسع للائتمان الاستهلاكي، وإنما أمام طلب متزايد على التمويل مرتبط بدورة الاستثمار والإنتاج التي يعرفها الاقتصاد المغربي".

وتكشف معطيات بنك المغرب أن قروض المقاولات الخاصة ارتفعت بنسبة 8.2%، مقابل قفزة أقوى في القروض الموجهة إلى المقاولات العمومية بلغت 16.9%، بينما لم تتجاوز وتيرة نمو القروض الموجهة للأسر 3.4%. وتبرز هذه الأرقام أن الدينامية الحالية للائتمان ترتبط بدرجة أكبر بتمويل النشاط الاقتصادي والاستثماري، وليس بتمويل الاستهلاك الأسري.

زخم استثماري

ويرتبط هذا التطور، وفق الهيري، بالزخم الذي يعرفه الاستثمار العمومي، إذ ارتفعت نفقات الاستثمار العمومي خلال النصف الأول من 2026 بنسبة 20.2%، لتصل إلى 59.8 مليار درهم. وبالتوازي مع ذلك، ارتفعت واردات سلع التجهيز بنسبة 21.2%، إلى 112.3 مليار درهم، بما يعكس تنامي الطلب على المعدات والوسائل الضرورية لتوسيع القدرات الإنتاجية.

وتزداد دلالة هذه المؤشرات بالنظر إلى مكونات واردات سلع التجهيز، التي سجلت ارتفاعا في واردات السيارات النفعية بنسبة 73.7%، وأجزاء الطائرات والمركبات الجوية بنسبة 29.7%. وهي أرقام تعكس، بحسب الخبير، ارتباط جزء من الطلب على التمويل بعمليات توسيع وتجديد القدرات الإنتاجية واللوجستية للاقتصاد الوطني.

ولا تقف مؤشرات هذه الدينامية عند الاستثمار العمومي، بل تمتد أيضا إلى القطاعات التصديرية، فقد ارتفعت صادرات قطاع السيارات خلال الأشهر الستة الأولى من السنة بنسبة 17.4%، لتصل إلى 93.7 مليار درهم، فيما نمت صادرات قطاع الطيران بنسبة 19.3%، والصناعات الأخرى بنسبة 22.4%، وهو ما يعزز حاجيات المقاولات إلى التمويل من أجل الاستثمار والتجهيز وتغطية حاجيات الاستغلال.

طلب متزايد

غير أن ارتفاع الائتمان لا يمكن تفسيره فقط بانخفاض تكلفة التمويل، خاصة أن متوسط سعر الفائدة على القروض ارتفع خلال الربع الثاني من 2026 بـ15 نقطة أساس، ليصل إلى 4.81%. كما ارتفع المتوسط المطبق على المقاولات غير المالية إلى 4.71%، في حين زادت الفائدة على قروض التجهيز بـ29 نقطة أساس إلى 4.65%.

وبالتالي، يبدو أن التسارع المسجل في الائتمان يعكس بالدرجة الأولى قوة الطلب على التمويل، في ظل اتساع النشاط الاستثماري والإنتاجي، أكثر مما يعكس تحسناً جديداً في شروط الاقتراض. وهو ما يجعل نمو القروض مؤشراً مهماً على ارتفاع حاجيات الفاعلين الاقتصاديين إلى الموارد المالية.

ويرى الهيري أن المعطيات الحالية تسمح بالحديث عن «بوادر دورة جديدة للتمويل البنكي للاقتصاد الوطني»، غير أنه شدد على ضرورة التمييز بين دورة ائتمانية مرتبطة بالأوراش والاستثمارات الكبرى، وبين تحول هيكلي في طريقة تمويل الاقتصاد المغربي.

رهان القطاع

وتبرز في هذا السياق أهمية التفاوت بين تمويل القطاعين العام والخاص. فارتفاع قروض المقاولات العمومية بنسبة 16.9%، مقابل 8.2% فقط للمقاولات الخاصة، يعكس استمرار الدور المحوري للقطاع العمومي وشبه العمومي في قيادة جزء مهم من الدينامية الاستثمارية الحالية.

غير أن الاختبار الحقيقي لهذه الدورة الائتمانية، وفق الهيري، سيكمن في مدى انتقالها بشكل أوسع إلى الاستثمار الخاص، ولا سيما المقاولات الصغيرة والمتوسطة والصغيرة جداً. فاستمرار تمركز التمويل حول الفاعلين الكبار قد يحد من الأثر الاقتصادي الشامل لهذه الدينامية، بينما يمكن لاتساع قاعدة المستفيدين من الائتمان أن يعزز الاستثمار وخلق فرص الشغل.

وتطرح تكلفة التمويل بدورها تحدياً أمام هذا الانتقال، إذ بلغ سعر الفائدة المطبق على الشركات الكبرى 4.56% خلال الربع الثاني، مقابل 5.20% بالنسبة للمقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة. ويكشف هذا الفارق عن تفاوت في شروط الولوج إلى التمويل، ويعيد إلى الواجهة سؤال قدرة المقاولات الأصغر حجماً على الاستفادة من الانتعاش الائتماني بنفس الوتيرة التي تستفيد بها الشركات الكبرى.

تمويل النمو

وفي المحصلة، ترسم أرقام بنك المغرب صورة لاقتصاد يشهد دينامية استثمارية متنامية، تتقاطع فيها زيادة الائتمان البنكي مع ارتفاع الاستثمار العمومي وواردات سلع التجهيز ونمو صادرات القطاعات الصناعية. وهي مؤشرات توحي بأن جزءاً مهماً من التمويلات الجديدة يرتبط بالنشاط الإنتاجي والاستثماري.

لكن قوة هذه الدينامية ستقاس، في نهاية المطاف، ليس فقط بحجم القروض التي تمنحها البنوك، وإنما بمدى تحولها إلى استثمارات منتجة، وطاقات إنتاجية جديدة، ورفع تنافسية المقاولات، وخلق فرص الشغل. ومن هنا، فإن الرهان المقبل لا يتمثل فقط في استمرار نمو الائتمان، بل في ضمان توجيهه نحو القطاعات والمقاولات القادرة على توليد قيمة مضافة مستدامة.

وبذلك، قد تكون أرقام يونيو 2026 مؤشرا على بداية مرحلة جديدة في تمويل الاقتصاد المغربي، لكن ترسيخها كتحول هيكلي سيظل رهيناً بقدرة القطاع البنكي على توسيع دائرة المستفيدين من التمويل، خصوصا داخل النسيج المقاولاتي الخاص، وتحويل الزخم الائتماني الحالي إلى نمو اقتصادي أكثر شمولا واستدامة