عودة الشراكة المغربية الفرنسية

التحليل والرأي - 19-07-2026

عودة الشراكة المغربية الفرنسية

اقتصادكم


شكلت الدورة الخامسة عشرة للاجتماع رفيع المستوى المغربي-الفرنسي، التي ترأسها بشكل مشترك يوم الخميس بالرباط عزيز أخنوش، رئيس الحكومة ورئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو، محطة سياسية جديدة لترجمة التقارب الذي انطلق عقب الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى المغرب في أكتوبر 2024. فإلى جانب الاتفاقيات العديدة التي تم توقيعها، أكدت هذه الزيارة إرادة البلدين في إرساء شراكة استراتيجية طويلة الأمد.


وعلى مدى سنوات، شابت العلاقات بين الرباط وباريس حالة من سوء الفهم والتوترات الدبلوماسية، رافقها تراجع تدريجي في منسوب الثقة، غير أن هذه المرحلة أصبحت اليوم من الماضي، بعدما شكل اعتراف فرنسا بسيادة المغرب على صحرائه نقطة التحول السياسية الأساسية التي مهدت لإعادة بناء الثقة بين البلدين، وأعادت رسم أسس الشراكة المغربية الفرنسية.


وفي هذا السياق، حرص رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو على تأكيد وضوح موقف بلاده، قائلا: "أكرر هنا أن هذا الموقف ثابت ولا رجعة فيه، ولن يتغير، وكما تعلمون فإننا نستخلص منه جميع النتائج." وذلك في إشارة إلى دعم فرنسا لسيادة المغرب على صحرائه. وأضاف أن "فرنسا تقف إلى جانب المغرب بكل وفاء وإخلاص".


وتعكس هذه التصريحات إرادة سياسية واضحة لإعادة بناء العلاقات المغربية الفرنسية على أسس جديدة أكثر استقراراً وطموحاً.


تحالف يتطلع إلى المستقبل


وقد أبرزت الدورة الخامسة عشرة للاجتماع رفيع المستوى هذا التحول بوضوح، من خلال المشاركة الاستثنائية لـ22 وزيراً من الجانبين المغربي والفرنسي، وهو ما يعكس حجم التعبئة السياسية لإنجاح هذه المرحلة الجديدة. كما أن تنوع الاتفاقيات الموقعة يؤكد أن التقارب بين البلدين لم يعد يقتصر على الجوانب الدبلوماسية فقط، بل امتد إلى مجالات استراتيجية متعددة.


ولخص رئيس الحكومة عزيز أخنوش هذا التحول بقوله إن الشراكة بين البلدين "لم تعد تستند فقط إلى عمق الروابط التاريخية التي تجمع المملكة المغربية والجمهورية الفرنسية، بل أصبحت تقوم على رؤية استراتيجية مشتركة، قائمة على تقارب سياسي واضح، وثقة متجددة، وطموح مشترك لبناء حلول جماعية للتحديات الكبرى التي يواجهها العالم اليوم."


وتعكس هذه العبارة انتقال العلاقات الثنائية من مرحلة الارتكاز على الروابط التاريخية واللغوية والإنسانية إلى مرحلة إنتاج قيمة استراتيجية مشتركة.


كما أكد أخنوش أن الدينامية التي أعقبت زيارة الرئيس الفرنسي إلى المغرب في أكتوبر 2024 عرفت تسارعاً ملحوظاً، حيث شهدت أقل من عامين تنظيم أكثر من أربعين زيارة ولقاءً رفيع المستوى، شاركت فيها الحكومتان والجماعات الترابية والشركات والجامعات ومكونات المجتمع المدني، بهدف إعطاء مضمون عملي لـ"الشراكة الاستثنائية المعززة".


تعاون يتوسع في مختلف القطاعات


وتترجم هذه الدينامية أيضاً في الأرقام، إذ تأتي الاتفاقيات الجديدة لتستكمل حزمة من 22 اتفاقية استراتيجية، بقيمة تقارب عشرة مليارات يورو، تم توقيعها خلال زيارة الرئيس ماكرون للمغرب أمام الملك محمد السادس والرئيس الفرنسي في أكتوبر 2024.


كما وسعت الاتفاقيات الإحدى عشرة الجديدة، الموقعة الخميس، مجالات التعاون لتشمل الصحة، والتنقل، والتعليم، والابتكار، وتعزيز اللغة العربية، والصناعات الثقافية، والبحث الزراعي.


غير أن التحول لا يقتصر على حجم الاتفاقيات، بل يشمل أيضاً فلسفة العلاقة بين البلدين.
وفي هذا الإطار، وصف سيباستيان لوكورنو المرحلة الحالية بأنها "لحظة مفصلية" من شأنها أن "ترفع مستوى العلاقات الثنائية إلى مرحلة جديدة"، بما يعني أن باريس والرباط تنظران اليوم إلى شراكتهما باعتبارها أداة مشتركة لمواجهة التحولات الجيوسياسية والاقتصادية والتكنولوجية الكبرى.


تقارب استراتيجي متزايد


ويحتل الجانب الاقتصادي موقعاً محورياً في هذه الهندسة الجديدة للعلاقات، حيث أوضح لوكورنو أن البلدين يعملان على خلق أوجه تكامل جديدة بين شركاتهما، بهدف إدماجها ضمن سلاسل القيمة نفسها.


وفي هذا الإطار، تتزايد المشاريع المهيكلة في مجالات الخط فائق السرعة الرابط بين القنيطرة ومراكش، والبنيات التحتية المينائية، والطاقات المتجددة، والرقمنة، والذكاء الاصطناعي، وتدبير الموارد المائية.


من جانبه، وصف وزير النقل الفرنسي فيليب تابارو المغرب بأنه "منصة قارية للتنقل"، مشيداً بمشروع القطار فائق السرعة المغربي، الذي اعتبره "مشروعاً استثنائياً على جميع المستويات."
كما يشكل التعاون الأمني أحد الأعمدة الرئيسية لهذا التقارب، إذ أشاد لوكورنو بالنتائج التي حققها البلدان في مكافحة الإرهاب والاتجار بالمخدرات والجريمة المنظمة، مؤكداً أن الثقة المتبادلة كانت العامل الحاسم في تحقيق نجاحات عملياتية غير مسبوقة، مع الإعلان عن العمل على إبرام اتفاق أمني شامل بين البلدين في المستقبل القريب.


وفي تحول لافت آخر، أصبحت القارة الإفريقية فضاءً للتعاون أكثر من كونها مجالاً للتنافس، حيث نوه رئيس الوزراء الفرنسي بالدور الذي يضطلع به المغرب، بقيادة الملك محمد السادس، في تعزيز السلم والأمن بمنطقة الساحل وفي مختلف أنحاء إفريقيا.


ولعل أبرز إعلان صدر خلال الاجتماع تمثل في كشف لوكورنو عن شروع البلدين في إعداد معاهدة ثنائية جديدة، ستكون، بحسب قوله، "أول معاهدة توقعها فرنسا مع دولة من خارج الاتحاد الأوروبي"، بهدف تنظيم مستقبل مشترك ضمن إطار قانوني موحد ومستقر وطموح، يتلاءم مع تحديات العقود المقبلة.


ويبقى الرهان الأساسي اليوم هو تحويل هذه الطموحات إلى مشاريع وإنجازات ملموسة.

 

فالعلاقات المغربية الفرنسية لطالما شهدت العديد من الإعلانات السياسية، غير أن الحكومتين تبدوان هذه المرة أكثر حرصاً على ضمان التنفيذ الفعلي للالتزامات. وفي هذا الصدد، شدد عزيز أخنوش على ضرورة تعزيز آليات التتبع، وتفعيل اللجان المشتركة ومجموعات العمل، بما يضمن التنفيذ الصارم للاتفاقات المبرمة، وتسريع المشاريع الجارية، وإطلاق مبادرات جديدة تستجيب للطموحات المشتركة للبلدين.


وتؤكد هذه المقاربة أن العلاقات بين الرباط وباريس دخلت مرحلة جديدة، تقوم على رؤية استراتيجية بعيدة المدى، وترشحها لأن تترسخ كشراكة مستدامة خلال السنوات المقبلة.

ترجمة عن الفرنسية لمقال بقلم ف. الورياغلي